توفيق طوبي قاد الانتقال من نفسية النكبة إلى نفسية الصمود والمواجهة

single

( الكلمة التي ألقاها عصام مخول –  في الجلسة التأبينية التي خصصها المؤتمر ال-26 للحزب الشيوعي لذكرى توفيق طوبي يوم الجمعة 16.3.2012)

 

ليس هناك وسام نستطيع أن نزين به صدر حزبنا الشيوعي الاسرائيلي، ولا قلادة يتقلدها ، أكثر شرفا وأبهى رونقا من استحضار الذكرى الخالدة للقائد الشيوعي التاريخي المؤسس توفيق طوبي، في هذه الجلسة الرسمية والمتميزة من جلسات المؤتمر ال-26 للحزب. كما أن شيئا لا يستطيع ان يفي ذكرى توفيق طوبي حقها ، أكثر من أن يتبنى مؤتمرنا المواقف المبدئية التي رسخها هذا القائد المتميز، ونهجه الثوري المتواضع ، وفكره الأممي وطريقه ورصيده، وتغليبه التناقض الاساسي على التناقضات الثانوية، وأكثر من أن نعتمد هذا الموروث الغني ، وصية نستند اليها ونلتزم بها في مواصلة طريق النضال المركب الطويل..
برز توفيق طوبي وتعمد قائدا شيوعيا في تزامن مع تسارع التحولات الطبقية وتبلور الطبقة العاملة في فلسطين الانتدابية واتساعها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي . وشق هذا المثقف الثوري الشاب طريقه الكفاحي في قلب النضال الطبقي ، وانبرى لتنظيم الطبقة العاملة والمثقفين الثوريين بدءا من حيفا ، أم العمل، ومدينة العمال،   كما اطلق عليها . وقاد في بداية أربعينات القرن الماضي مع رفاقه إميل توما وبولس فرح وإميل حبيبي وآخرين ، افتتاح النوادي ، وتنظيم الاتحادات العمالية ونشر الفكر الثوري الماركسي اللينيني، وصولا الى تأسيس مؤتمر العمال العرب ، وعصبة التحرر الوطني وجريدة الاتحاد. كانت الايام حبلى بالنكبة وبالمؤامرة الامبريالية، الصهيونية وتواطؤ الرجعية العربية لإجهاض حقوق الشعب الفلسطيني والقضاء على وجوده  ومستقبله. لم يكتف توفيق طوبي ورفاقه بإعلان موقف مناهض للامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولكنهم طرحوا البديل التحرري العيني للمخططات الامبريالية , والبديل الوطني الديمقراطي للمشروع الصهيوني الكولونيالي ، والبديل التقدمي لعجز الرجعية العربية وتواطئها. وطرحوا بديلا اشتراكيا للرأسمالية وروجوا له.
 برز توفيق طوبي قائدا شجاعا في التصدي لخيار النكبة ، وفي ترسيم الطريق لتجاوزها برغم جبروت ثالوث المؤامرة الدنس، الذي لا يزال حيا ، متفاعلا بكل مركباته،  الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية حتى يومنا هذا.
 وبعد ان باتت النكبة حقيقة نافذة ، عرف طوبي في أحلك اللحظات ان يصوغ العلاقة الجدلية بين تحرر الشعب العربي الفلسطيني واستقلاله ، وبين مصلحة الشعب اليهودي، وكتب في المذكرة التي أصدرها في حيفا في أيلول 1948 باسم عصبة التحرر الوطني : 
"إن مصلحة الشعب اليهودي والطبقة العاملة اليهودية في تحرر القسم العربي من فلسطين، هي مصلحة مساوية لمصلحة الشعب العربي نفسه. إن نشوء دولة عربية مستقلة في فلسطين، دولة ديمقراطية شعبية هي الضمانة الوحيدة لتحرر الشعب اليهودي من النفوذ الاستعماري، هي الطريق لمنع الرجعية اليهودية من الارتماء بشعبها كليا في أحضان الاستعمار".
  إن دور الشيوعيين بهذا المعنى ، لا يقتصر على تخليص الشعب الفلسطيني فقط ، من الصهيونية وفكرها وممارستها ، وإنما دورهم أيضا، هو تخليص الشعب اليهودي نفسه من الصهيونية وفكرها وممارساتها في خدمة الامبريالية العالمية ومشاريعها العدوانية.
قاد توفيق طوبي ورفاقه الشيوعيون معركة البقاء في الوطن ، وقاد معركة تجذّر الاقلية القومية العربية الفلسطينية في وطنها، وأسس لوعيها الوطني والطبقي، وأسس لفكرها السياسي والاجتماعي التقدمي، وأسس لبناء وحدتها الكفاحية من جهة ، وللنضال الاممي الديمقراطي ، اليهودي العربي المشترك من الجهة الاخرى.  وقاد انتقال هذه الجماهير من حلكة اليأس الى نور الممارسة السياسية الثورية في أعقد الساعات، ومن نفسية النكبة ، الى نفسية الصمود والتصدي . ومن عجز الضحية في مجزرة كفر قاسم ، التي كانت تسقط في دمائها وهي تستجدي الجزارين الرحمة ، الى تحدي الضحية في مجزرة يوم الارض ، التي كانت تسقط وهي تقاوم الجزارين وتتصدى لهم بالحجارة والصدور العارية دفاعا عن أرضها وعن حقها وعن بقائها، على بعد عشرين عاما.
إن المجزرة ترتكب عندما تتوفر شروط ثلاثة. الضحية ، والمجرم ، وملايين الناس تنظر في الاتجاه المعاكس . ان اسم توفيق طوبي واسم رفيقه ماير فلنر تألقا في كفر قاسم حين أجبرا الملايين، في البلاد وعلى امتداد العالم ، على توجيه الانظار ثانية الى المجزرة والى مرتكبيها.
ترك توفيق طوبي القائد والمعلم، بصماته الواضحة على الحركة الشيوعية في هذه البلاد ، وترك في رفاقه المنتشرين في طول البلاد وعرضها بعضا منه. رسخ أسس الواقعية السياسية ، والنهج الاممي والموقف الصدامي الذي لا يعرف المساومة، مع ثلاثي الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية.
إن قائدا بقامة توفيق طوبي الشامخة ، قد يرحل عنا ، لكنه لا يموت، بل يبقى منتشرا في أجيال المناضلين التي تربت عليه والى جانبه في ميادين الكفاح ،  دليلا موجها ، ومصدر إشعاع ينير لها طريق النضال الطبقي والوطني التقدمي الذي لا يكل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عن غزة وجيش المفاجيع بقيادة نانسي واحلام ووائل كفوري

featured

كيلا يتحوّل خطاب المقاطعة إلى دراما تركية

featured

المسألة اليونانية لم تنته بعد

featured

عملية بمسؤولية الاحتلال

featured

لإسقاط "قانون المواطنة" الفاشي !

featured

نظام إردوغان يتحمّل المسؤولية

featured

شفاعمرو كنعانية الأصل عربية الشمائل فلسطينية الهوى

featured

أخطاء شائعة