المسألة اليونانية لم تنته بعد

single
  • تقف جماهير الكادحين في اليونان ضد كل ما يجري وتطالب بالخروج من الوحدة النقدية والاتحاد الاوروبي قبل ان يتمكن رأس المال المالي من تحقيق اهدافه، رغم المعاناة الكبيرة التي تنتظر الكادحين على كافة المستويات والتي ابتدأت قبل عامين وسوف لن تنتهي قريبا في المدى المنظور


*كل الدعم لشغيلة اليونان في الدفاع عن استقلالهم الوطني ومقدرات اجيالهم القادمة في مواجهة سطوة رأس المال*

 

التصويت الاخير في البرلمان اليوناني، يأتي ليحوّل اتفاقية الدين لتحصيل الدفعة الجديدة، لقانون للدولة وتحت طائلة العقوبات والضمانات التي يقدمها القانون الانجليزي للاطراف الدائنة، ودائما يكون مرفقا بالتفاصيل الدقيقة لاجراءات التقشف التي يمليها اطراف الترويكا (الاتحاد الاوروبي، والصندوق المركزي الاوروبي، وصندوق النقد الدولي) والتي تقلص بشكل مريع، من مداخيل العائلة اليونانية، من خلال تقليص الرواتب وتخفيضها لمستوى يراد به ولا يخفونه ان يصبح بمستوى بلغاريا والبرتغال، سواء في القطاع العام اوالقطاع الخاص، وهو ما يعني الغاء فعليا لاتفاقيات العمل الجماعية، وتحويلها لاتفاقيات على مستوى المؤسسسة او حتى لعقود فردية، وهو ما يحرم العمال امكانية النضال الجماعي لتحصيل الحقوق، ولتطال الاجراءات تقليص التقاعد، وتقليص الخدمات الطبية والدواء، وليطال تسريح الموظفين الى قطاع التعليم، وتقليص موازنة الدفاع، وبالجوهر كل مرة يأتي موعد دفعة من دفعات القرض (الذي جرى تصويره بمشروع مارشال لانقاذ اليونان ليصبح مشروعا فعليا لانقاذ رأس المال المالي وفي مقدمتة البنوك وسوق رأس المال بالاساس) لتترافق مع اجراءات تقشف تقتلع من الجذور دولة الرفاه (التي يسميها اصحاب رأس المال بالاشتراكية) التي تحققت بنضالات عنيدة من الشغيلة والعمال اليونانيين طيلة القرن الماضي على مستوى القطاع العام والخاص.
لقد تحولت اليونان التي جرى اغراقها بالديون، مجالا خصبا لالعاب المقامرة على سنداتها في اسواق المال العلمية مما وضعها في وضع صعب جدا، ويحد من قدرتها على ايجاد الموارد والسيولة اللازمة لتسيير شؤون الدولة ولادارة عجلة الاقتصاد برمته، مما ادى الى ارتفاع غير مسبوق للفوائد على اية قروض ممكن تحصيلها، مترافقا على سياسة الاتحاد الاوروبي الاقتصادية التي اضعفت بشكل دراماتيكي امكانية اليونان بدعم وتنمية الاقتصاد الفعلي وحولته بغالبيته لسوق الخدمات وما ترافق معه من استشراء الفساد في رأس الدولة والمؤسسات بعلاقتها مع المؤسسات الاوروبية، وتبديد الموارد بالالعاب الاولومبية وغيرها، واخيرا ادخالها عنوة في الوحدة النقدية (اليورو) بموازنات مزيفة وصلت لحد تصوير اليونان عشية الانضمام وكأنها من الدول القوية اقتصاديا على المستوى العالمي وبمعدلات تنمية عالية ومزيفة، وبالطبع بمعرفة اصحاب القرار الاقتصادي الاوروبي (المانيا وفرنسا) وبالتحالف مع الولايات المتحدة الامريكية.

  • على حافة الافلاس

كل ما تقدم هو ايجاز مكثف لحالة التدهور التي احاقت باليونان ووضعتها على حافة الافلاس بالمستوى الرسمي، ولكنها في واقع الحال دُفعت دفعا لتكون دولة مفلسة فعليا، وما مسألة القروض الكبيرة المقدمة لها سوى عملية انقاذ فعلي، لرأس المال المالي الذي قدم القروض السابقة لليونان كما لالعاب المقامرة في سوق رأس المال، التي بدل الاستثمار في الاقتصاد الفعلي تقوم بالمساهمة بلعبة القمار على مستوى عالمي، وفقاقيع الازمة العالمية التي صنفت السندات اليونانية بالسندات غاية الخطر، قلصت بشكل دراماتيكي من خيارات الابتعاد عن اشهار الافلاس على النمط الارجنتيني، وهنا قلصت الخيارات امام حكام اليونان لتبني خيار اللجوء لصندوق النقد الدولي ووصفاته التخريبية المعروفة والمنحازة تماما لصالح رأس المال في اكثر من مكان في العالم، وتحويل عبء تسديد الديون وفوائدها وارباح المقامرين على اكتاف الشغيلة والعمال والمتقاعدين اليونان وعلى حساب مستوى معيشتهم وطبابتهم وعيشهم الكريم، وباتجاه الافقار المتزايد للطبقات الشعبية واختفاء الطبقة الوسطى، ولتتحول اليونان من شريك في الاتحاد الاوروبي الى طرف ضعيف في حالة افلاسه سيؤثر على مجموع بلدان الاتحاد، ولكنة ايضا حيوان التجارب لتمرير اجراءات التقشف الاقتصادية على مستوى الجماهير الكادحة وتقليص التقديمات لها على المستوى الاقتصادي وتقسيم للاقتصاد الاوروبي على اساس المركز الغني (المانيا وفرنسا) والضاحية الفقيرة على المستوى الاقتصادي، وتقليص دولة الرفاه الاجتماعية وتصفية نهائية لكل المنجزات التي تحققت خلال القرن المنصرم نتاج النضال العنيد للطبقة العاملة وعموم الكادحين، ولتضع وعلى يد من تبناها حينا (الاشتراكية الديمقراطية)ل تحفر القبر لهذه الانجازات مما يعيد سوق العمل لبازار العبودية، مما يؤدي لتمزيق النسيج الاجتماعي للمجتمع اليوناني ويصنفها فعليا دولة من دول العالم الثالث سواء اقتصاديا او اجتماعيا، وضحية سهلة لاملاءات رأس المال، ومن هنا فنجاح الكواسر الرأسمالية في اليونان سيعمم التجربة في بلدان اخرى من بلدان الاتحاد الاوروبي والعالمي، وتتحول السرقة والنهب لمرتين مرة بالفساد وتهريب المقدرات وثانيا من العودة والشراء بثمن بخس ما جرى نهبه وبضمانات اوروبية دولية تستثمر هذا الوضع، في معاركها القادمة الجيوسياسية في المنطقة.
في مقابل كل ذلك تقف جماهير الكادحين في اليونان ضد كل ما يجري وتطالب بالخروج من الوحدة النقدية والاتحاد الاوروبي قبل ان يتمكن رأس المال المالي من تحقيق اهدافه، رغم المعاناة الكبيرة التي تنتظر الكادحين على كافة المستويات والتي ابتدأت قبل عامين وسوف لن تنتهي قريبا في المدى المنظور، وقبيله رهن مقدرات الصمود للمجتمع اليوناني من خلال بيع وخصخصة املاك الدولة والشعب اليوناني مقابل ديون لم يرها قطعا، بل وضعت مصيره على موائد القمار في مؤسسات ودور التقييم التي يملي شروطها ومقاييسها ذات المركز الناهب لخيرات ومقدرات الشعوب. وفي المقدمة منها صندوق النقد الدولي الذي يتصرف كطرف لصالح النهب وكمستشار لافقار الشعوب لصالح الاقلية من اصحاب المال، والبنك الدولي والبنك المركزي الاوروبي الخ..
يجب ان لا تحرف الانظار بعض مظاهر العنف التي تقوم بها بعض المجموعات الفوضوية، والحرائق التي تطال بعض الممتلكات العامة او الخاصة في اثينا، عن رؤية حركة الاحتجاج التي اليوم يتبدى انها سلمية على اجراءات التقشف، والتي تفتح الباب على مصراعيه بلا رتوش على صراع طبقي عنيف وارهابي يمارسه اصحاب رأس المال على مجموع الشغيلة، ولتتوجه كل اسهم النقد لمن يبيع البلد بثمن بخس ومدخل جدي لوحدة القوى التقدمية والديمقراطية لمواجهة الازمة التي يتسع المتضررون بها يوما بعد يوم، لوضع برنامج وطني للانقاذ يشارك الجميع بدون اقصاء على تحقيقه والامكانية واردة والامكانيات متواجدة لذلك. ونتائج التصويت في البرلمان تشير لهذا الاتجاه.
المسألة اليونانية لم تنته بعد فبعد كل قسط اجراءات جديدة وستكون في ذات السياق، ومن هنا كل الدعم لشغيلة اليونان في الدفاع عن استقلالهم الوطني ومقدرات اجيالهم القادمة في مواجهة سطوة رأس المال.

 

 *الكاتب: رئيس اتحاد العمال والشغيلة الفلسطينيين في اليونان عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

قد يهمّكم أيضا..
featured

وجهًا لوجه مع بكري البعناوي

featured

ذكراك ستبقى خالدة في قلوبنا

featured

بالانعتاق من التبعية للإمبرالية، تستعيد انسانيتها!

featured

ميزانيات لتدمير بيوتنا

featured

جمهورية مصر الثالثة

featured

بدونها تتوقف عجلات قطار الحياة

featured

عُرسُكَ يا ربيع خالدٌ في أذهاننا ما حيينا

featured

مسؤولية الشعوب في نُظم ديمقراطية الغرب