الألمان هم أول من قسّم تاريخهم الى حقب ومراحل خاصة بهم ، كل مرحلة تاريخية سياسية عرفت باسم " الرايخ " والرايخ تعني مملكة ، فالرايخ الأول نسب الى الامبراطورية الرومانية المقدسة للشعب الألماني التي ظهرت في العصور الوسطى ، اما الرايخ الثاني فيطلق على الامبراطورية الألمانية التي وحدها بسمارك بالحديد والدم ، واستمر وجودها من سنة 1871 -1918 والرايخ الثالث استعمله النازيون للدلالة على اعادة العظمة الالمانية الى سابق عهدها. كذلك الأمر بالنسبة لفرنسا ، فقد أقام الجنرال ديغول جمهورية فرنسا الرابعة سنة 1946 ، وهذا يدل على تعاطي الفرنسيين مع هذا النوع من الفصول التاريخية ، اما بالنسبة لمصر فانه من غير المستغرب ان يقوم المؤرخون بتقسيم تاريخ هذا القطر العربي الذي صنع التاريخ الى فترات مرتبطة بنوعية ولون وصورة النظام خاصة في العهد الجمهوري ، لأنه يوجد اختلاف كبير بين رئيس جمهورية وآخر من حيث التوجه الوطني والقومي وحالة التنمية والتصنيع وتوفير الكرامة للمواطن .
في رأيي ان الجمهورية الأولى بدأت في مصر منذ سقوط النظام الملكي الذي بدأ سنة 1805 وانتهى وجوده سنة 1952 ، وقف على رأس هذا العهد المشرق الجديد جمال عبد الناصر بدعم من الضباط الأحرار ، بدأ هذا العهد بانقلاب عسكري ، الا انه تحول رويدا رويدا الى ثورة شعبية بكل المفاهيم التي عرفها القرن العشرون ، ثورة غيرت وجه وطبيعة الحياة في مصر وبلدان عربية كثيرة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا .
منذ اليوم الأول لقيام هذه الثورة وهذه الجمهورية اتخذت وجهة المنحى القومي الوطني بكل مقاييس الوطنية ، آمنت بأن رفع سقف القومية العربية والالتفاف حولها هو افضل الطرق لقطع دابر الفئوية والطائفية ، واقصر الطرق للوحدة بين الشعوب العربية .
وعرف العالم قيمة مصر ودورها الريادي من خلال حكم هذه الثورة ، فقد جعلت من نفسها رأس الحربة ووقفت في وجه الرجعية العربية والاستعمار والصهيونية ، كان لهذه الثورة انجازات في شتى المجالات ليس من السهل حصرها ولا حاجة لذكرها .
البعد الفكري والتوجه القومي لقيادة الجمهورية الأولى من تاريخ مصر حدد نوعية الحكم ، سار عبد الناصر فوق هذه الدروب الوطنية لأنه آمن بها وعمل من اجلها ، وربما فرضها على الكثير من رفاقه وعلى رجالات الحكم في ذلك الوقت ، لأن النظام الملكي في مصر كان يريد دائما فصل مصر عن العروبة حتى تبقى فرعونية .
توقفت عجلة المد القومي العربي الوحدوي بعد رحيل عبد الناصر ودخلت مصر في عهد جديد هو عهد الجمهورية الثانية اذا جاز التعبير ، ترأس هذه المرحلة الرئيس السادات ، وقد فرض شخصيته النرجسية وحبه للعظمة والنجومية على هذه المرحلة الهامة من تاريخ مصر ، بدأ عصر التفريط بثوابت الثورة والتطاول على منجزاتها منذ سنة 1970 ، فقد عاش السادات داخل ضباب اوهامه بأنه بطل العبور وبطل السلام ، فدمر كل انجازات الثورة ودور مصر الريادي من خلال زيارته لمدينة القدس ، جاء صاغرا مستسلما .
لم ينته عهد الجمهورية الثانية بمقتل السادات ، بل استمر طوال عهد مبارك ، فقايض هو الآخر على الوطنية العربية والقومية في مصر ، وذهب بعيدا في السير ضد تيار ارادة الشعوب العربية ، سواء في التآمر على العراق والتآمر على المقاومة اللبنانية والفلسطينية ، توقفت عجلة هذا العصر الأسود الطويل من تاريخ مصر في الحادي عشر من شهر شباط سنة 2011 بعد طرد مبارك من فوق سدة الحكم .
اليوم يعيش الشعب المصري امام عهد جديد ، لا نبالغ اذا اطلقنا عليه عصر الجمهورية الثالثة ، رغم ان معالمها حتى الآن غير واضحة ، هذا العهد لا يزال يحبو في مهد التاريخ ، لا نعرف الملامح الكاملة لنتائج الثورة الخاصة المميزة الشبابية التي اوقفت قطار الخيانة والعمالة الذي قاده مبارك ومن حوله ، بعد مرور اربعة عقود من رحيل جمال عبد الناصر اعاد الملايين من ثوار مصر الى الشعب جزءا من كرامته التي صادرها السادات ومبارك في عهد جمهوريتهما الثانية ، سوف تكشف الايام صورا مذهلة عن حالة التفكك والمحسوبية والاستغلال والمهانة التي عانى منها الشعب المصري في ظل حكم مبارك ، والجدير ان يطلق على هذه الحقبة الزمنية من تاريخ مصر بعهد جمهورية الرشى التي تحولت الى ثقافة عادية لدى المواطن المصري ، كانت هذه الرشى هي لغة التخاطب الوحيدة التي تربط بين المسؤولين والرعية .
لقد قسّم احد كبار ضباط وزارة الداخلية الفساد الى اربعة دوائر ، دائرة مبارك وطغمته ، دائرة سوزان مبارك وأتباعها ، دائرة نجله جمال واتباعه من مدنيين وعسكريين ، ودائرة علاء مبارك واتباعه من رجال الأعمال وكبار الضباط في الشرطة والجيش .
السؤال الذي يفرض نفسه حتى الآن : هل نتائج الثورة ومردودها الوطني والقومي موازٍ لمقاس وزخم هذه الثورة ! حتى الآن الثمار التي لقحتها الثورة قليلة جدا وفجة ، النتائج لا تصل الى ارتفاع ربع قامة الثورة ، الغمار لا زالت قليلة رغم ملايين الحصادين، من بين هذه الثمار تنحي الطاغية مبارك لكن هذا الطاغية لا زال يدنس ارض مصر ، لقد التجأ الى منتجعه في شرم الشيخ الذي حوله الى ملتقى التآمر على قضايا الأمة العربية ، الطاغية يتواجد في أحد قصوره الاسطورية التي أقامها من عرق ودماء الشعب المصري ، يحيط به الخدم والحشم والحراسة ، هل يوجد ثورة في العالم تجيز لجلاد شعبها الاستمرار في نهب ثروات الشعب ، لقد اعلن مجلس الوزراء برئاسة أحمد شفيق في اجتماعه الأول الذي عقده بعد رحيل مبارك ، بانه سوف يأمر بتجميد أموال مبارك في البنوك ، اذا دعت الحاجة ، هذا يؤكد ان مجلس الوزراء هذا ما هو الا استمرار للنظام وطابوره الخامس ، من أين حصل مبارك على مئات ملايين الدولارات التي أودعها البنوك في أكثر من بلد اوروبي واحد هذا اضافة الى اموال زوجته وابناء اسرته .
هذا الأخطبوط يقيم في شرم الشيخ الا ان اذرعه لا تزال في القاهرة وكافة المحافظات المصرية تحرك الفتن وتزرع الفساد وتنهب اموال الشعب ، وكيف يمكن للثورة ان تقبل باستمرر عمل الحكومة التي صنعها مبارك قبل خلعه، رئيس هذه الحكومة أحمد شفيق المعروف بمحدوديته وقدراته الادارية ، وهو من اتباع سوزان مبارك وابنها جمال ، يدور في فلكهم والاخير هو من فرض احمد شفيق على الشعب المصري ، أما أحمد ابو الغيط وزير الخارجية فهو معروف بصلفه وتعاونه اللامحدود مع اسرائيل وواشنطن ، وهو من كبار رؤوس الفساد في مصر ، كيف يمكن للثورة ان تقبل استمراره في ادارة شؤون الخارجية المصرية على حساب دماء الشهداء ومعاناة شباب الثورة ، يقولون بأن مصر ولادة ، هل من الصعب استبدال هؤلاء الوزراء بآخرين يتجاوبون مع مطالب الثورة ، حتى لو كانت هذه الحكومة مؤقتة فانها ليست امينة على قضايا الأمة .
اما المجلس العسكري فالعديد من اعضائه من صنع النظام البائد ونَفَس امريكا .
في رأيي ان زحف الثورة قد توقف قبل وصولها الى جبل صخري يحمي منجزاتها ، ينقصها حتى الآن القيادة الوطنية الراسخة في مواقفها وثوابتها ، ينقصها البعد القومي ، لأن مصر كانت وستبقى رأس الأمة العربية ، ستبقى هذه الثورة حركة داخلية اذا لم تضع مصر في مكانها الطبيعي وهو قيادة حركة التحرر العربية الحديثة التي شق طريقها جمال عبد الناصر هذا ما يتمناه كل عربي ، حتى الآن، تحدثت قيادة الثورة عن مطالبها الوطنية الداخلية ، لكنها حتى الآن لم تذكر في بياناتها وما اكثرها اسم فلسطين، ولم تتحدث عن الاقصى وحصار غزة والجرائم الاسرائيلية بحق الشعب الاسرائيلي ، هذه هي مواقف الثورة الحقيقية .
