بين الحلال والحرام

single

نحن لا نرسل رسولا أصم لينتقي لنا اسطوانات تسكب المتعة في آذاننا، ولا مكفوفا ليشتري لنا صورا ورسومات بها تتألق جدران مساكننا، ولا أميّا ليقتني لنا كتبا تثري افكارنا واحاسيسنا.
هذا هو السلوك الطبيعي الذي يسلكه الناس عندما يريدون انجاز مهمات يسعون الى تحقيقها بصواب ونجاح. هذه امور مسلّم بها وبديهية. لكننا في كثير من الاحيان نتغاضى عن هذه المسلّمات ونجعلها مسلّمات غير مسلّم بها وذلك عندما نبايع من لا يستحق ليتبوأ منصب القيادة او السيادة في مجتمعنا!
عندما نختار مديرا لمدرسة لم يقرأ كتابا ولا تدخل الجريدة بيته.. مديرا يحمل على منكبيه تاريخا يشهد على افتقاره للمسؤولية والانتماء والولاء حيث انه بزّ زملاءه في المدرسة تغيّبا عن العمل لمرض لا يتعدى كونه تمارضا.
كيف يمكن ان يربّي أب متعالٍ ومتشاوف اولاده على التواضع والتسامح وحب الآخرين؟
كيف يتأتّى لأم غير محتشمة ان تلقّن بناتها معاني الاحتشام؟!
بين هذه الانماط من الرؤساء والمديرين والآباء يتعزز فكر خاطئ به نفقد الامل في الوصول الى الصواب. كيف يمكننا ان نبعد الادواء عنا ونحن صانعوها؟ لاجل هذا نردد وبصدق ان سوس العود منه وفيه.
قبل اقلاع زائري الاجنبي الى بلاده اصابته وعكةٌ صحية فاتصلت بطبيب صديق. اعلمتني السكرتيرة ان هناك اربعة مرضى سيعاينهم الطبيب قبلنا. وجلسنا ننتظر دورنا، فنظر زائري حوله ونحوي ليقول مستغربا: "لقد أخطأ صديقك باعطائنا جواز الدخول اليه.. أُنظرْ واحِص الجالسين في غرفة الانتظار.. الا ترى ان عددهم يقارب العشرة؟!" فهدّأت من روعه مطمئنا بان الجالسين هنا ليسوا بمجملهم مرضى.. لقد جاؤوا مرافقين زوجاتهم او بناتهم للدخول الى الطبيب. فقال الزائر: "بلادكم غريبة.. عندنا يرافق البالغُ المريضَ عندما يكون هذا طفلا".
فحص صديقي الطبيب زائري على اكمل وجه. وفي طريقي لوداعه في المطار، خدشني الحياء وانا افلسف عقلية شعبنا. لقد لفني الارتباك فلم أقْوَ على المجاهرة بان قبلية التفكير تجعل الرجل في بلادي يخشى عرض زوجته او ابنته على الطبيب صونا للعِرض وخوفا على ما تخفيه الثياب من مفاتن. في تخلّفنا العقلي هذا يتحول ما هو حلال الى حرام. طالما عقليات كهذه تتحكم بمصائرنا سنبقى سنبقى ساعين للحلال كلاما وتبجّحا ليس غير. نهدس واقعا حافلا بقبيح الاخطاء ونحن نجتر حديثا مبتذلا عن الصلاح والاصلاح!! هكذا نحن في هذا العالم المتسيّب: نقتل راسبوتين لنستبدله بعصابة من الراسبوتينات!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

التخبّط الأميركي

featured

جدي وماري انطوانيت في حفل زفاف ابن محمد دحلان

featured

أطفال أريحا يلجؤون للموسيقى

featured

حذار من نموذج الفاتيكان

featured

كفربرعم المُهجّرة.. لوحة فلسطينية صغيرة!

featured

من شهرزاد إلى لوليتا

featured

لماذا إيران تحديدًا؟

featured

للحقد وجهان وللهدم وجهان