كلُّ شيءٍ في هذه الدُّنيا يُتعبنا، حتَّى التَّفاصيل الجميلة، أمَّا الموت قد يكون نهايةَ كلّ تعب. وللحقيقة، وبعيدًا عن المشاعر والعواطف الّتي لطالما تهلكُ أفكارنا، مع كلِّ فقيدٍ عزيزٍ يَرحلُ عن فوضى هذه الحياة، يرحَلُ جزءٌ منّا. فمَوتُ من يسكنُ القلبَ دونَ استئذانٍ، يؤدي إلى موتِ جزءٍ منّا أيضًا نحن الأحياء، رغم أنَّ نِعَمَ الحياة تبقى ثمارُها تنضُج لكنّها بعد موتِ الأعزّاء تنقُص.
وقد لا أتّفق مع الفلسطينيّ الأصيل، شاعرنا محمود درويش، فيما خطَّت يداه "الموتُ لا يُوجِعُ الموتى، الموتُ يُوجِعُ الأحياء". أعتقد قد سقطَ سهوًا الدّرويش في مُعاينة الموت بمفرداتِه، رغم عنفوانها. فالموت يُوجِعُ الموتى الّذين لطالما وقفوا على ناصيةِ الموت وبَقوا يُقاتلون باستبسالِ الحُبّ من أجل الظَّفر بيومٍ آخر من الحياة وضوضائها. وهكذا كان علاء.
علاءُ العصاميّ الذي رادفت تفاصيلُ حياته الصّغيرة جحافل معاني اسمه، فهوَ الرَّفيع الشَّريف المُلتزم بحُبِّ النَّاصرة أهلًا وحَجرًا، رغم حسرتهِ لما آلت اليه المدينة في العامَين الأخيرَين. علاء الّذي اجتهدَ كثيرًا لضمانِ حياةٍ كريمةٍ لعائلتِه، والّذي دأب بكُلٍ تفانٍ واخلاص لتوطيدِ أواصر العلاقات بين أهل البلد الواحد، رحلَ جسدُهُ عنَّا، أمَّا روحه حاضرة فينا وبكُلِّ ما هو طَيب في زمانٍ قد فقدَ عُذريَّة الخَير واعتراهُ رياء الآدميّين.
أذكُر تفاصيلَ ذكرياتِ ثماني سنواتٍ من الصَّداقة الّتي تكلَّلت بنُضجٍ منذُ يومِها الأوَّل. صداقةٌ لَم تعرف الصِّراعَ يومًا واحدًا، رغم اختلافاتنا في الكثير من التَّفاصيل. وقد كان انتماؤنا الفكريّ للجبهة أكثرَ ما جمعنا وقد تغلَّبَ على اختلافاتٍ بسيطة فُكاهيَّة. علاء، لم يصبُ إلى منصبٍ ولا جاهٍ، بقدرِ ما صبا إلى لُحمةِ أهالي المدينة ولعيشٍ كريمٍ يحفظُ عائلتَهُ الّتي أحبَّها حتَّى ثمالة الحُبّ.
والمُصادفة الّتي أرهقت عواطفي هي قراءتي لـ "ملحمةِ جلجامش" في الأشهُر الأخيرة، الّتي تَروي شِعرًا اللّهثَ وراءَ الخلودِ ونبذ حقيقة الموت. فعلاء، كما هو، أحبَّ الحياة حتّى إذ لم يستَطِع اليها سبيلا. فقد قاومَ خُبثَ المرض بجسارةٍ وجأش، ورفض الخضوع والخنوع إلى بلاءِ المرض.
وقد تكون الحياةُ حُلُمًا قصيرًا يُوقظنا منهُ الموت، الّذي يأتي مُباغِتا أحيانًا ويسلبُ منّا من نُحبّ، كما سلبَ منّا علاء. فكَم كانت أحلامُ علاء جميلةً، تتَّسِمُ بالبساطةِ المُطلَقة. فلم يحلَم علاء أكثر من أن يُربّي أولادَه الثلاثة في مجتمعٍ تقيٍّ، نقيٍّ وطيّب؛ لم يحلَم أكثر من أن يبقى حُبَّهُ العميق لزوجتِه ثائرًا، هائجًا كبُركانٍ مُشتعل. وإن كان احترامُ الأبِ والأُمِ وصيَّةً، فعلاء أٌقدَرُ من حَمَلَ هذه الوصيَّة وصانها برمشِي عَينَيهِ.
علاء كانَ مُشاكسًا خفيفَ الظِّلِ، مبدئيًّا حتَّى رمقهُ الأخير وآدميًّا بامتياز. لم تسرق متاعب الحياة طيبتَهُ، ولم تنجح مشاغلها الكثيرة بتحييدِهِ عن دَوره الاجتماعيّ والعطاء المُفرط، ظنًّا منهُ، كما نظنُّ نحن أيضًا، أن الوطنَ ليسَ انتماء فحَسب، بل عطاء. علاء، كانَ مؤمنًا خلوقًا، ولَم يمنعه ايمانُه أن يكونَ انسانًا أوَّلًا، وليس كالكثيرين مِن مَن يرتدونَ عباءَةَ الدِّين وهُم طائفيّون حتّى النُّخاع. فقد نجح علاء بصياغةِ معادلةٍ راقية، مُتمثِّلة بالايمانِ من جهة والحفاظ على انسانيتِنا من جهةٍ أُخرى.
أتدري يا علاء كيفَ تموتُ الأُمُّ مراتٍ عديدة ولا تتعب؟
أتدري كيفَ تحاولُ زوجةٌ اجتثاثَ حسرة الحُبّ من لَوعة الاشتياق، وتفشَل؟
أتدري أنَّ الموتَ لا ينتصرُ على عُنفوانِ الأُمومة ولا يستطيعُ كبتَ عواطف العشيقة؟
أتدري كيفَ يُعاتبُ الأخ والأُخت القدَر ويصفعان القضاء، دون كلل؟
أتدري أنَّ الموتَ سرابٌ في ذاكرةِ العاشقين؟ ومُحالٌ بأفئِدةِ المُحبّين؟
أتدري يا علاء، أنَّ نعمةَ النِّسيانُ مُنتهية الصَّلاحيَّة أمامَ الموت؟
صديقي علاء، قد يجفُّ حبرُ القلم، لكنَّ حبّنا لك لا يجف، بل يبقى يرتَوي من ذكرياتٍ لا تَشيخ ولا تُمحى. ذكرياتٌ منقوشةٌ بزُلالِ الصَّداقة الصادقة، الّتي يصعبُ على المرءِ نسيانها.
علاء، نَم قريرَ العينِ، هناك، حيثُ الصَّفاء والنَّقاء واللّا شقاء، حيثُ لا وَجع ولا ابتلاء. فأنتَ الشَّجرةُ الّتي أثمرت خيرَ ثمارٍ في زمانِ سماسرةِ الحروبِ وتُجَّار الشّعوبِ.
(الناصرة)
