وضعت اسم بكري البعناوي فوق رأس واجباتي راجيا بل ممنيا النفس للقاء يهرب اليه القلب بحثا عن ما تخبِّئه وتسر بفيضه عدسات خلفها تسافر زرقاوان لم تحالفها اخاديد الوجه المتشح بصرامة التفاؤل والبوح بمكنون حمل احمال جِمال حملت في بطونها و على ظهورها الى الشام سيف الله المسلول. كلماته و ضيوفه يسعدون القلب المفطور، و حزن عينيه الدفين اقلقني فشحذ نصل المشتاق الى لقاء ما زادني الا حبا وعشقا لسويطي، بدوي بسحر، كلماته و قهوته يلهج اللسان و بدفء عينه تتدثر الروح ولحنين حنانه القلب مأسور مسحور. من أنا؟ ومن كنت ليستقبلني البعناوي وهو من نثره جده ليصبح الاثنين علمين يتدثر بطيب بخورهما اهل عكا، الناصرة، حيفا، بئر السبع، غزة، رام الله، عمان، دمشق، بيروت و حتى ضباب لندن لهيبة الحفيد اختشي فأفل في حضرة الضوء الوضاء في المنحنيات والمنخفضات و انشقت الارض لتبتلعه خجلا في حضرة فنان، مثقف، ثائر، حكيم.... رقيق من اهل جليل فلسطين.
العيون ترتاح لسماحة وجهه، و الاذن لعذب صوته يسقي الثوار بقربة؛ بزمزمية تروي الحب والعدل و الايمان لعطشى سرقت ارواحهم جور السنين. نبرته رقة ناي بأنامل عاشق مسحور يعزف لمحبوبته اغنية يستلسم قلبها لها. اما انا فمن يشفعون لي وبصداقتهم معتز، مبهور مشحون قد رحلوا: ابو يزيد - يوسف صايغ، ابا الهادر، الهادر – شفيق الحوت وشيخ العرب ابو الخالد عبدالله السويطي رحلوا و تركوني اتكئ على عصا الحياة و فوق الصدر امانة لا يرميها الى جاهل او مخبول. و اكاد اصرخ مستغيثا مستعينا بجرأة سمير قصير وجبران تويني وبندقية جورج حاوي وقلبي يصرخ بعبارات "وين رحتوا وتركتوني يا اهلي". لا انا لست وحدى و رفاق درب مسلول من الغمد سيفهم عاهدوا الريح ان لن يعرف الغمد بل حارسا لناسك اقام الصلاة، وعاشق اقام قداسا لحبيبته، و طفل تاب عن مغافلة عصفور يطعم لحمه لأشقاء يوم عن ذنوب الاطفال كفّر نمر مرقس لما تعلم درسا في التضحية؛ فتاب عن قتل الامهات المجاهدات من صغيرات العصافير.
احبائي تحدوا الطاغوت مذ استحال ماردا زارعا الموت منقضا بخنجره اللئيم يطعن في الظهر تحت ظلام دامس رجالا ميامين و اقام للموت مأتما ترقص فوق الدماء الزاكية قلوب الظلاميين. حتى صديقي الرسام الكريكاتوري الدمشقي علي فرزات (هشموا كفيه و يديه) و الصحفيون و الاعلاميون و الاطفال لم ينجوا من نصل خنجر لئيم نصب الجهل قاضيا والله منهم براء والمؤمنون. محيدلي، حاوي و الرضوان و من سبقوهم و من سيلحقون ينثرون بنور الحياة فوق جبال صنين و بأحلاهم تنشد نصراويات عبر المرج العابق تسامحا باغاني الزياد و الدرويش مرتاحا يرنو مبتسما ينادي سائلا الراقد في ضريح الانتظار والقدس شاخصة ببصرها تنتظر شهيدا صرخ في وجه الغزاة شهيدا... شهيدا.... شهيدا من اجل فلسطين؛ أستتركني وحيدا يا ابا عمار؟ لا، كيف اترككم و انتم بين اهلكم اقاموا لواجبكم مجدا لم يحظ به لا شكسبير و لا ماركس العظيم.
ابا اليسار انت شفيعي والشاهد الحي على نخوة واصالة من منحوني شهادة علمية جاعلين لساني بكلمات قبلت الامانة في عالم لا يهوى اسياده تراثا وحاضرا تطاول على مجده دهاقنة المخبرين، وفضائيات بمذيعات و مذيعين قراءة العربية لا يجيدون؛ و لها لولا العيب من امهات عشقت الضاد متنكرين وألسنتهم تلهج بطراطيش قشور انجليزية و اخرى فرنسية و المستقبل الزاهر يرقص لأهل الصين والروس طربا على فضائح و خيبات اباطرة تجار النفط نار البغضاء بين الشعوب والحروب مشعلين. عندما كنت طالبا في في الصف الاول في الجامعة؛ نصحني و صحبي اليوناني المولد الاممي الجنسية والهوى والبلغاري المواطنة الاستاذ فاسيل تسيكولاس قائلا "ان اردتم النجاح فعليكم ان تضعوا الصمغ اللاصق قبل ان تجلسوا فوق مقعد القراءة صانع كل معرفة حصين". نصيحة حملها اقراطا في آذانهم ابناء دورتي وصفي ليكون النجاح في معاركة الحياة شقيقهم، متشبثين بقيم المبادئ: الخمرة ماجد، دمتري خريستو لولو، نصرالله الرائد ابو الرايات وصحبهم اجمعين..
لم التقِ البعناوي من قبل الا مشاهدا ومستمعا، من على شاشة "فضائية فلسطين" في برنامجه "وجها لوجه" قبل ان تضحك لي الصدفة حاملة على أكفاف الاثير سعادة تربع فوق بساطها في احد ايام يوم الارض العظيم و البعناوي وحيد على الشاشة والمسرح بالايمان والصبر والتحدي والتشبث بالبيت وبالارض يملأ خوابي اهل فلسطين بتحفة الـ "باق في حيفا" اميل حبيبي وسعيدة "سعيد ابي النحس المتشائل" يقرأ ملحمته عن معاناة اهله و احلامهم على المستمعين و المشاهدين. تسمرت عند الشاشة والبعناوي يردني الى شبابي اواسط السبعين؛ يوم جاء امر الرفاق صارما و ملهما لما يكتب الحبيب اميل ورفاقه على جمر الوطن اممين قابضين. عشق من طرف واحد نما بيني و بين البعناوي؛ فرحت كل مساء يوم اثنين او صباح ثلاثاء اغافل حارس الرأسمالية و جابي ضرائبها الذي له قلب لا يلين و قانون كتب بحبر قاتم يركع لسطوته الآدميون، لأمتع النظر والروح بكلام عذب يرد الروح و يزرع التفاؤل في قلوب المعذبين.
سألت صحبي الطيبين أني للبكري مشتاق و ما قلته بحقه من عذب الكلام في الصحف لا يشفي الغليل وانا الى لقائه في حنين، لكني خفت ان يكون قد اقتفي آثار رهط من المناضلين من مخيمات اهلهم منسلين و بحجج واهية بحثا عن شقة فيها هاتف و ماء وكهرباء كأني بهم انخلعوا عن اهلهم مرتدين و هم قبل الثورة لم يكونوا الا اشخاصا ورجالا اقل من عاديين. و الحق يقال دون التقليل او التبخيس بعظمة انجازاتها، لو لزمت قيادة منظمة التحرير بيوت اهلها في المخيمات في عمان وبيروت لتغير مجرى ريح الثورة الى علِّيين. حقيقة صدح بصدقها اهل مخيم برج الشمالي في صور؛ ارادة، صمودٌ و شجاعةُ حفنة رجال مقاومين الى جميع اهل فصائل الخير منتمين فلوا صيف 1982 مجنزرات فولاذ جيش الغزاة عند اطراف وبوابة المخيم الوحيدة بقذائف آر. بي. جي صنعها احمر شيوعي اثلجت قلوب الاطفال جامعي مظاريف الرصاص و القذائف النحاسية خبزا وقوتا لأشقائهم مترزقين؛ ليتردد صدى ضحكات بريئة ارعبت ضباطا متغطرسين. و لولا اجساد نسوة، اطفال و شيوخ مخيم برج الشمالي في الملاجئ دفنتها صواريخ طائرات شارون محترف هرس قامات جنود المصريين تحت جنازير دباباته في 1967 لما تجرأ جندي ولا ضابط على دخول المخيم. ومريم الكردي (جدتي) تتحدى صلف الجنود المذعورين صارخة في وجوههم "أنتم رجال؟ لا لستم رجالا؛ و جباهكم وصدوركم التصقت بالارض مذعورين، اذهبوا و تعلموا القتال من رجالنا و هم بصدور و ظهور لا تعرف الانحناء بارواحكم متربصين و لها قابضين" (حادثة حقيقية، وقع الحوار في منطقة الرمالي شمالي المخيم حين التقت مريم ام علي و هي ترعى عنزاتها في البرية جنودًا صهاينة على بطونهم يزحفون كلما سمعوا صوتا شُبه لهم انه فدائي مختبئ). ضحك يومها الجنود ربما سخرية من عجوز تنبأت بقدوم فدائيين ومقاومين سقوا ضباط الجيش الاسرائيلي و جنوده كأس خزي؛ لعقوا اولها في 25 أيار/ مايو 2000؛ لم تعش مريم فباغتتها المنية في 1992 لتورث ابناءها واحفادها نصرا تنبأته فكانوا له مقهقهين. لتتوالى بعدها ايام نصر مجللة بنهر دماء لم يهدر عبثا بل قهرا لـ مناحيم بيغن، يتسحاق شامير، شارون، اولمرت، باراك ونتنياهو واتباعهم اللاحقين.
من رام الله يوم الخميس هاتفته، فرد مرحبا "اهلا يا حسين" وتواعدنا ان يكون صباح الثلاثاء، 11 حزيران/يونيو موعدا للقائنا في البعنة في جليل فلسطين. طمأنني ابو اليسار بالقول إن أهل البعنة جيران الاهل في كفر ياسيف و العكس صحيح، و المسافة بيننا مرمى عصا او اقل بقليل. ما نسيت، وانا لست من "عرب لندن"، بل من كوفنتري الوادعة لم يميز قصف هتلر بين كنائسها ومصانعها اضطر عمالها احتراف صناعة الحرب كيف لا وهم صانعو اول سيارة في المملكة و ربما في العالم، و تحفة الياغوار من بين اناملهم خرجت وبسحرها المغموس في قناة المدينة الشاهد على عظمة صناعة عملاقة خطت خرائطها و نفذتها اذرع الانجليزي، الهندي، الولشي، العربي و السكوتي بمساوة اخوة لا يهمها الجنس، العرق، لون البشر أو الدين؛ و للعمل و الانسانية اقامت صرحا للآدميين. نسيني البعناوي و هو من رجوته لحظة فقال "انا، في البيت يا حسين؛ من الاثنين الى الخميس فاختر ما يناسبك". اخترت ولما نسيني البعناوي انصفني ليس حبا ولا عطفا ضابط بلباس الجهل والغرائز والمكر متجلببا لا يعرف التمييز بين صهيوني وفلسطيني من اقحاح العرب جاء عبر النهر الى عمان فالقاهرة زائرا لقضاء عمل وتقديم فن اليه ترنو اعين المثقفين اهل الفن حافظين. (يتبع)
