عصافير غزة وملائكة الثوار في سوريا

single

سجَّلت مجلدات وكتب التاريخ الكثير عن صور الاحتلال والاستعمار، وأظهرت بشاعة الأيدي التي تعبث وتقبض وتتحكم وتذل وتمسح الشعوب من قاموس الكرامة والشموخ، وتدفعهم إلى تنكيس الرايات والأحلام وتحرق كل الجسور التي توصل للحرية. لكن المجلدات الاحتلالية والاستعمارية، على مر العصور، لم تكتب عن ظاهرة هروب الطيور من السماء، السماء الرحبة التي تسعى الطيور إليها للطيران لاستعراض جمال وجودها وألوانها وخفة حركاتها وإغراء أجنحتها ورشاقة دلالها. هذه السماء ضاقت أمام العصافير التي كانت تحاول نسيان الاحتلال والحصار. الا أن الزمان طال وألقى بظلاله البائسة على غريزتها، فقررت ترك السماء للاحتلال. فقد أعلنت وزارة الزراعة في قطاع غزة ان المنطقة خالية من الطيور، عدا الدجاج..! لقد انقرضت الطيور المتوطنة، أما الطيور المهاجرة فقد غيرت مساراتها بعيدا، ولم يعد أطفال غزة يراقبون بفرح رحيل الطيور، ورؤية أجنحتها وهي تصفق وتخفق حرة في عالم هم يفتقدونه. وأكدت وزارة الزراعة انه كان في القطاع 120 نوعا من الطيور ما بين مقيمة ومهاجرة، حيث تشكل فلسطين محطة لنحو 540 نوعا من الطيور، 270 نوعا مقيم والباقي مهاجر في فصلي الخريف والربيع. وأسباب انقراض الطيور، حسب تقرير وزارة الزراعة، كثيرة أهمها الدمار الذي ألحقه الاحتلال بقطاع غزة، وأيضا بسبب البيوت المتراصة، فقطاع غزة أكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان.
قد يمر تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية مر الكرام، ومر السيف داخل غمده الصامت. وقد لا يؤثر على أي شيء، لأن حياة الإنسان الفلسطيني انتهكت وزحفت على صحراء الانتظار، ولم تعد الطيور تثير شغفه، حتى لو كانت من الطيور الأليفة وطيور الزينة أو المتوحشة أو طيور الملك سليمان.
لكن لا بد ان يقرع هذا التقرير، المؤلم والقاسي إنسانيا وطبيعيا، أجراس الحذر ويشير إلى التشويه الذي جرى لحياة الإنسان الفلسطيني. هناك تشويه كامل لمشاعره وأحاسيسه ورؤيته للحياة. إن الاحتلال والمعاناة واللجوء والتشرد والحصار، وكافة درجات سلم سلب الحياة الطبيعية، هي أجزاء من التاريخ البشري. وليست المسألة والقضية محصورة فقط بالأرض واحتلالها، ورمي الفلسطيني على هامش الوجود، بل القضية هي الهيمنة على الجسد الفلسطيني بالكامل، ومنعه من التنفس والعيش مثل باقي الشعوب، التي تملك الحلم والمستقبل والتفكير والاستقرار والراحة والاطمئنان. إن الأرض تحت الأقدام ثابتة لا تهتز، وليس على موعد مع الخوف من الرحيل والدمار والهدم.
من المضحك أن نخرج من تحت ريش الطيور المفقود في قطاع غزة إلى ريش آخر، يبعثر على الفضائيات العربية التي أصبحت تنافس بعضها البعض بساعات الفراغ المدروس في أقبية مخابرات نزع شخصية العربي. علينا أن نجمع الريش ونصنع منه تقديرا وإعجابا واستسلاما كاملا لهذا وذاك، دون الدراسة والتعمق في تأثيرها. الشيوخ والفتاوى ماركات مسجلة لهذه السنوات. فضائيات مخصصة للفتاوى، منها ما يرافق العصر ويستفيد منها المجتمع، ومنها ما هو بحاجة إلى عقول تقتنع، خاصة حين تدخل في ضباب التفسير.
آخر الفتاوى التي تثير الجنون، لكن هناك من يروّج لها هذه الأيام، فتوى مضاجعة الزوجة المتوفاة..! وقد كان الاختلاف حول الوقت والزمن الذي يصلحان للمضاجعة. وقد اقر الشيخ صاحب الفتوى مدة ست ساعات، أي يستطيع الزوج ان يقوم بالعلاقة الزوجية حتى ست ساعات، وبعد هذه الساعات حرام..! أما الفتوى التي جاءت لتكمل دائرة اللا معقول، فقد أفتاها الشيخ محمد العريفي، الذي قال "إن الملائكة يقاتلون على خيول بيضاء إلى جانب ثوار سوريا"، مع أن هؤلاء الثوار يصرخون "سلمية"، لكن القاصي والداني يعرف أنهم دخلوا ميادين الدم بجدارة.
ترى كيف يصدر هذا الشيخ مثل هذه الفتوى المنحازة إلى ثوار سوريا فقط؟! لا أدري لماذا لا تقاتل الملائكة مع الفلسطينيين؟! ولماذا لا تقف الملائكة الآن مع الأسرى الفلسطينيين، الذين يخوضون معركة الإضراب عن الطعام؟! كل هذا بعد أن أصابهم اليأس من تحرك حجارة شطرنج اللقاءات والمفاوضات الفلسطينية، ولم يعد عداد السنوات يستطيع عد الآهات والقضبان وتجاعيد الوجوه والحرمان..! العصافير والفتاوى لها أجنحة وتطير، الا اننا لا نعرف أين تستقر هذه، وأين تؤثر تلك؟! واختفاء الطيور من سماء قطاع غزة يستحق ان نصدر من اجله فتوى. فالفتوى قد تشعر سكان القطاع بان هناك من يتذكرهم ويشعر بمعاناتهم التي وصلت الى هروب الطيور، فكيف لا يهرب البشر..؟!

قد يهمّكم أيضا..
featured

مفاوضات ليست مفاوضات

featured

عاصفة التحريض مستمرة..!

featured

الواقع يؤكد مدى أهمية الأفكار الشيوعية

featured

متى سيسقط جنرالات الحروب في اقفاص العدالة

featured

"فذكِّر إن نفعت الذّكرى"

featured

فتيات القبيلة، للقبيلة!