يقول المثل العامي يا سادة يا كرام بعد الصلاة سيد الأنام: "إن فرحتو جنو وان حزنتو كنو"- أي دعوا الفرح يغمركم حتى الثمالة والجنون، ولا تدعوا الحزن يتحكم بكم فيخرجكم عن طوركم إنما اخلدوا للسكينة.. أي اهدأوا ودعوه يكون لكم، ولكم فقط. أي ليكن الفرح مكشوفا وعاما وليكن الحزن خاصا، وخاصا جدا. أو صدّروا الفرح للخارج والحزن للداخل...
لكن حزن هذه المرة كان شيء مختلف.. غير عادي. كان فوق طاقتي.. ربما بسبب كوني خارج البلاد؟ ربما أيضا لأنني كنت اشعر بالعجز فلا استطيع حراكا لذاتي ولا تحريكا لها. ربما لأن ما أصابني من انزلاقات ذهنية هو السبب.. كان لهذا الانزلاق أول بدون آخر. التداعيات منفلتة. لا تركيز أبدا سوى على ما كنت أشاهد من أخبار مذبحة غزة متنقلا بين عدة فضائيات. كلما أدرت جهاز التحكم عن بعد من محطة جاءت أخرى لعنت أختها من حيث بشاعة المناظر وقسوة الظرف وعمق الجريمة. عمق المأساة جعلني أكِن. لقد أخرسني الحزن.. أقعدني الغضب.. عقدت لساني قسوة المشاهد وفداحة الخسائر البشرية البريئة. أرى أن الحياة تغتصب أمامي ولا استطيع أن افعل شيئا. الحرب المجنونة ضد كل شيء، تقلع الشجر والحجر والبشر... أصابني شلل تام منعني من الكلام. لماذا لا يتحرك الله؟ وإذا تحرك، لماذا يتحرك دائما متأخرا؟ لماذا لا يصغي إلى الاستغاثات؟ لماذا لا يسمع الابتهالات؟ لماذا يكون هذا الامتحان لشعب اعزل بهذه القسوة؟ لماذا كل هذه الفظائع ولا من مغيث؟ لماذا لا يتحرك الناس، البشر، العالم؟ لماذا هذا الشعور بالعجز وبالضعف وبالخسارة وبالفقدان؟ لماذا أنا هكذا فقدت القدرة عن الكلام والتعبير بدون مقاومة؟... لا اشتم .. لا اضحك.. لا ابكي.. قال احد الكتاب الفلاسفة: عندما تقع الكارثة لا تضحك، لا تبك إنما فكر... وأنا هنا في هذه الحالة عاجز أيضا عن التفكير!
كان من عادتي أن أغادر البلاد بين الفينة والأخرى حتى أتجدد. استمتع بهذا المنفى الطوعي لمدة أسبوع أو أسبوعين. خروجي يكون إذًا مثل خروج مياه الينابيع. إن لم تغادر بؤرة المنبع تأسن. وأخطر المياه هي المياه الراكدة. في هذه المرة تصاقبت مغادرتي للبلاد قبيل مذبحة غزة الأخيرة. من المتوقع ألا تكون الأخيرة إذا استمر هذا التردي في الحالة الفلسطينية... اكتشفت أن هذا المنفى الطوعي كذبة كبيرة.. اخرج لكي أتنفس فإذا بي اختنق. اشعر بالوحدة والناس والأصدقاء من حولي... تبذل مضيفتي أقصى الجهد كي اخرج من وحدتي لكن دون جدوى. ينتقل الاختناق منّي إليها. لا استطيع أن اعبّر ولا أن أفعل شيئا...
أبقى ساهما أمام التي كانت شاشة الفضِّية وغدت ملوّنة.. اصطبغت بالدم. صديقتي ينتابها القلق تحسب أني أخاصمها... أريد أن أبقى لوحدي.. هذا كل الموضوع.. أحاول أن أُفهمها عن مدى كدر حالتي النفسية السيئة وأنها ليست هي السبب فلا تفهم. ربما المرأة أكثر قدرة على الامتصاص من الرجل. لكنها هي الآن و بعد أن انتقلت إليها العدوى لا تستطيع امتصاص فلا تتقبل اعتذاري ولا أعذاري.
هذه الجزيرة الجميلة لا تستطيع أن تستوعبني في هذه المرة. مسكن الآلهة يلفظني.. جزيرة الشمس والحرية متلبدة بالغيوم.. أفروديت تعبث بزبد البحر الذي خرجت منه. يطغى الزبد على كل حالتي. أرى نفسي أغرق أغرق أغرق في الحوامات. لا يذهب الزبد جفاء ولا يمكث في الأرض شيئا.. لا استطيع التعبير عن هواجسي وآلامي بالانجليزية... أصابني الخرس. حتى الإشارات التي كنت بارعا في أدائها وفي استعمالها ضاعت مني. أصابني الخرس الحركي أيضا. لا استطيع أن امرر أحاسيسي لتلك الإنسانة التي أحب لا بتلك اللغة ولا بأي لغة أخرى. اشعر أنني كتلة صماء. اغرق اغرق اغرق في البحر الأشد ملوحة من البحر الميت.
لا استطيع أن أقوم بأي عمل سوى الحلقة... الوجوم. حالة نفسية استعصى علي فهمها. ترى هل صحيح أن مسألة اللغة هي الأساس؟ اللغة هي إنسان آخر مضاف إليك. إذا كنت تعرف ثلاثة لغات تضاف إليك ثلاث شخصيات بحيث تبقى انت انت. اكتشفت أن هذه أيضا كذبة كبيرة. انت انت فقط بلغة الأم. فانا احلم بالعربية وبلهجة فلسطينية. حتى أنني حين احلم بصديقتي القبرصية فإنها تتكلم معي بالعربية وبلهجتي الفلسطينية.. لا باليونانية ولا بالانجليزية لغة التخاطب والتواصل فيما بيننا. اخلط بين الحلم والواقع! أصل حافة الجنون.. لا أفهم نفسي.
يقول واسيني الأعرج في روايته "حارسة الظلال" (ط 2، 2006 دار ورد- سوريا ص 25) أن "اللغة سكن ولا نتحرر إلا فيه" وان لغة الأم فقط هي التي "تمتلك القدرة على هز جنوننا وأحلامنا من الداخل".
ربما هذا صحيح.. التعب الذي أنا فيه أصابني بالخرس. لا ابكي.. لا اصرخ.. لا اعمل شيئا.. لا اعبر.. أبحلق فقط فيها حتى عندما قالت لي: أجئت إلى هنا لكي تصمت؟ ارحل إذا كنت مريضا ببلادك إلى هذا الحد!
أفكر بواسني الأعرج- الجزائري الذي كتب باللغتين العربية و الفرنسية. هل أصابه ما أصابني؟ هو يتقن اللغتين لكنه حتما يحلم بالعربية.. إنها لغة الألم ولغة الأم بها يتكلم في الحلم بالأبيض والأسود. فهل هذا صحيح؟ واسيني أو لا تواسيني يا واسيني! أشد الأوجاع هو الوجع الحاضر.. ووجعي الآن غزة!!! خلت نفسي احزم حقائبي و اشد الرحال. ماذا اصنع هنا في جزيرة الشمس والحرية وافروديت. أنام ولا أغفو اشرب ولا اسكر خلت نفسي في غزة.. وهناك أيضا لا اعمل شيئا، فانا لا أجيد فن القتال وحسب إنما انقر من أي سلاح ناري... لا ينتظرني هناك سوى الموت.
غزة تحترق ولا من مغيث. يتهاتف الأصدقاء القبارصة مع بعض الفلسطينيين المقيمين مؤقتا في قبرص.. يكون رأيي مطابقا لرأي صديقتي.. حالا وفورا علينا القيام بتظاهرة رفع شعارات تندد بموبقات الاحتلال الإسرائيلي أمام السفارة الإسرائيلية. ليس العدد مهما.. اثنان أو ثلاثة يكفي. المهم أن نكون هناك لنعبر عما يعيش في صدورنا... قبل أن تنفجر صدورنا. بالصدفة يكون دكان لبيع القرطاسية قرب تلك السفارة. تغيب صديقتي لبضعة دقائق. تعود وفي حوزتها طُرحيات من الكرتون المقوّى وأقلام توش. تركع على الأرض على الرغم من وجع رجلها.. لا لتصلّي إنما لتخطيط بعض الشعارات. اشترك معها. نكتب بثلاث لغات اليونانية والانجليزية والعربية لغة أمي ولغة ألمي. أمي تزيدني حماسا.. يمر من أمامي طيف خيالها يعطيني القوة بالإضافة إلى بضع العشرات الدين توافدوا للتو يحملون العلم الفلسطيني والعلم القبرصي. يلتحم العلمان على جذع شجرة البلاتانيا مقابل السفارة. بعد يومين يكون الظرف ناضجا لمظاهرة... دعا إليها حزب "اكيل" الحزب الشيوعي القبرصي. أرى هناك عربا ويهود وقبارصة.. أرى احد الفلسطينيين لاجئ سياسي بعد أن تم تهجيره من العراق بعيد الاحتلال الأمريكي. ترك كل ماله هناك وهرب حفاظا على حياته. الأعلام حمراء وقبرصية ويونانية وفلسطينية. ألاحظ أيضا أن أعلاما فئوية ارتفعت كعلم الجبهة الشعبية وعلم حماس وعلم حزب الله. اسمع هتافات باللغات الثلاث احدهم خزق طبلة أذني: "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود". احد الأصدقاء القبارصة يطلب مني ترجمة الشعار المهتوف به. ارتبك. أحاول أن أزوّغ.. ثم اضطر للترجمة. يقول لي: أهذا شعار سياسي؟ أزيد: وفي نيقوسيا!!!
في اليوم التالي كان "قارب الكرامة". أرافق بعض الأصدقاء في الطريق إلى ميناء لارنكا. كنا ثلاثة، صديقتان وأنا. الأولى قبرصية والثانية فلسطينية، أخت عزيزة. المطر شديد في الخارج. يسمحون لنا بدخول الميناء بعد أن تكلمت العربية الفلسطينية مع المسؤولين. أبقينا البطاقات الشخصية عند حارس البوابة بحسب طلبه، القبرصية رخصة السياقة والفلسطينية جواز السفر الكويتي وأنا لم يكن معي غير بطاقة نقابة المحامين الإسرائيلية. يا للسخرية. يا لهطول القدر.. الدنيا ما زالت تمطر والقارب البالغ طوله ثمانية عشر مترا يترنح على رصيف الميناء كما تترنح الكرامة العربية. نسهم في نقل شحنة الأدوية للقارب ورذاذ البحر يلسع وجوهنا لسعات قطبية. هذا الجو فك عقدة لساني. أعطاني القدرة على الكلام.. بثلاث لغات العربية والعبرية والانجليزية. شعرت أنني فعلت شيئا وأسهمت في شيء عله يفيد... أدركت فعلا أن الزبد يذهب جفاء ويمكث في الأرض ما ينفع الناس وهو المعنى الذي جاء في القران الكريم، لا ما جاء بالهتاف: "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود".
