"بوظة الاستقلال": حدث حقيقي

single

قرّرنا أن نلتقي جميعًا في بوظة "ركب" في رام الله.
انتظرته أنا وصديقتي هناء في الطابق العلوي.
جلس قبالتنا بارتباك شديد لم أعرف مصدره – وخصوصا اننا التقينا كثيرا قبلها، من خلال عملنا المشترك على ترجمة الوظائف الاكاديمية الى العبرية، للاسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال والذين يدرسون في الجامعة المفتوحة، مقابل "فطائر" والدته التي لا تقاوم. وللأمانة، تلقيت مرة "برادا" مستعملا، تقديرا لجهدي المتواضع.
لذا لم افهم سر ارتباكه وعدم ارتياحه.
سألته، في محاولة مني لكسر الهدوء: "بدكاش بوظة؟"
نظر اليَّ مباشرة وقال "مش عارف - سنوات لم اقترب منها. كان السجان يدور علينا مرة في السنة حاملا بوظة مكعبة ، مغلفة بالشوكلاطة مثل تلك التي يوزعونها في الاعراس - ولم نكن نعلم لماذا - بعدها علمنا انهم كانوا يعطوننا، نحن المعتقلين الفلسطينيين، البوظة في يوم استقلالهم."
وصدر القرار في السجون، بمقاطعة "بوظة الاستقلال" – ومرت السنوات مثقلة في البعد عن الاهل والاصحاب والبوظة."
ودون تفكير وبنبرة متحسرة، سألته: "13 سنة ما اكلتش بوظة؟".
ضحك كثيرا وقال لي "بدكيش تعرفي قصة البطيخ".
"بعد أن اكتشفنا أمر البوظة السياسية، أصبحنا نشك في كل ما نحسبه "كماليات"، وفي احدى المرات قاموا بتوزيع البطيخ علينا - لم نعرف اي تاريخ هذا وخصوصا انهم يستعملون التواريخ العبرية. ولكن تفكيرنا المنطقي ارتكز على ان – توزيع البوظة كان في ذكرى النكبة مما يعني انه من الممكن ان يكون توزيع البطيخ في ذكرى النكسة- في المحصلة، لم نلمس البطيخ ايضا"
ضحكت كثيرا واكتفيت بالنظر لوجه نمر الطفولي الذي لم تستطع سنوات السجن سرقته بالرغم من الصلع الذي احتل رأسه.
قلت له: "وإسا بدنا نوكل بوظة شوكلاطة سوا- وعازمينك".
سألني باسما "شو التاريخ؟"
لا يمكن ان انسى ابدا النهم والفرح الذي اعترى "نمر" وهو يتناول البوظة بحرية تامة ودون شروط – لأول مرة بعد 13 عاما من الاعتقال وسنتين من الحرية المشروطة.
وعند افتراقنا- شد على يدي قائلا "اليوم انا حر ع الآخر".
كنت في تلك الفترة، صبية قادمة من حيفا لتسكن في القدس ضمن اطار دراستها، اكتشف الحياة "شوية" شوية"- في الاراضي المحتلة العام 1967. وعندما اقول " اكتشفها" ، اعني اللقاء يوميا بالحواجز والجيش والاسرى والامهات وطلاب المدارس والعشاق والشيوخ والنساء والحجر والكاوتشوك والدخان الاسود ورؤية الجدار يطبق على ما تبقى من مكان.
القدس اخرجتني من دائرة الرومانسية الثورية الى الواقع الثوري، من الحديث "عن" الى الحديث "مع".
من الحديث عن الحواجز – الى عبورها.
من قراءة خبر اعتقال في الجريدة الى معرفة المعتقل وامه واخته واخوه وبيته.
وكان "نمر" احد اللقاءات.
من الغضب على المصطفين في الدور لعبور "قلنديا"، الى الاصطفاف معهم في الدور- لأن باقي الطرق مغلقة.
ولأن الاحتلال والقوة "تروِّضنا" في بعض الاحيان وتعلمنا كيفية اختيار معاركنا ومتى.
هنا تعلمت- حدود نفسي وقدرتي على التأقلم والاحتواء.
هنا اصبحت الخطوط الحمراء- واضحة وقريبة - تلزمك في لحظة حاسمة ان تختار او ان تتخذ قرارا.
أن تقرر رفع صوتك بوجه جندي يصرخ على امرأة بعمر والدتك وان تعلم الثمن الذي ستدفعه.
ان تعتاد على مرأى الناس الهاربين منك – عندما يوقفك جندي وعدم الالتفاف حولك وكأنك غير مرئي- وبالرغم من ذلك ان تتفهمهم.
وان تعترف بينك وبين نفسك- انك في بعض الاحيان ضعيف وفي اغلبها – انت القوي- لأنك ما زلت تحافظ على وعيك وعقلك بالرغم من الجنون الذي حولك.
قالت لي صديقة قريبة – "القدس، حلوة ببشاعتها- لأنها حقيقية".
لا حاجة للتحليل اكثر من اللزوم، لا حاجة للاختلاف او الاتفاق- توجد حاجة ملحة للصراع.
في هذه الفترة احضر نفسي لمغادرة القدس بعد سنوات كثيرة، يمكنني وصفها بسنوات الصقل المليئة بالتناقضات والاختيارات والمواجهات – اغادر القدس وانا راضية لأنني لم احيَ على هامشها.
فقط في هذا المكان تصبح حياتك اليومية واحداثها- موضوع مقال او رواية في المستقبل. في هذا المكان، يصبح كل فعل عملا بطوليا، صحيح انني غير قادرة على وصف القدس بكلمات من غزل ومجد وعنفوان، ليس لأنها ليست كذلك، فالكثير من قصص الحب نسجت هنا وفي ظل سورها، بل لأنني اظن بأن في القدس لا مكان للكلام، لا مكان لأغنية- الفسحة الوحيدة المتاحة- هي فسحة "الفعل".

قد يهمّكم أيضا..
featured

النقب.. بكامل المبدئية!

featured

مفرق عيلوط شهادة دموية على سياسة التمييز العنصري !

featured

"لماذا شادي شويري؟"

featured

التنُّفجية Snobbery

featured

ليتواصل سحْب البِساط!

featured

عن الخلط بين الارهاب والمقاومة

featured

هل ستحافظ الثورة الشبابية العربية على مستوى المرأة في الميدان وتطور مكانتها