غيّب الثّرى قبل أيام جسد فارس صال وجال في أعماق التاريخ وأحداثه، وغذّى بزبدة ما وصل إليه أجيالا تعطّشت للمعرفة حين كانت مواردها ومصادرها شحيحة بل ناضبة أحيانا. غاب جسد عاشق الحقيقة المربّي الجليل المعطاء غطاس غطاس لكنّ ما تركه لنا من رصيد مخزون في أذهان كلّ من تتلمذ على يديه أو زامله،وما أورثه بين دفّات كتبه، يجعله حيّا بيننا خالدا.
غطّاس غطّاس عاشق الحقيقة لأنّه لم يقل معلومة أو يكتب عن حدث إلا بعد بحث وقراءة للمصادر والموسوعات وتحليل علميّ وموضوعيّ للأحداث التّاريخيّة،لم تكن مكتبته لتزيين جدار أو أكثر كما هي في بيوت الكثيرين منا للأسف، بل كانت مكانا مقدَّسا يعتكف فيه يوميا لساعات طويلة ينقِّب في الوثائق، وقد أصاب طيّب الذّكر عاشق الّلغة العربيّة واستاذها الشاعر شكيب جهشان كبد الحقيقة في تقديمه لكتاب فقيدنا الغالي " البستان العامر والرّوض الزاهر" حين قال:" الوثيقة كانت سنده الأول والحاسم، فلا مكان عنده للتّخمين، ولا للتّصوّر الخادع....فكلّ خبر بسند، وكلّ فكرة بدعامة.....وكم رأيته يثقل ساعديه بالكتب، ليدلّنا على حقيقة، أو ليتحصّن وراء رأي!!"
زاملته في فحص وتدقيق امتحانات البجروت في التاريخ سنوات عديدة، فكان مرجعا لنا جميعا، وكان جاهزا لإعطاء الجواب الدقيق على كلّ سؤال في أي نموذج من نماذج الأسئلة العديدة التي كانت تحتوي على مئات الأسئلة الطّويلة والقصيرة، كانت الإجابات مكتوبة جاهزة على عشرات الدّفاتر الّتي كتبها بخط يده الجميل.
كنّا نتساءل كيف استطاع في الفترة الزمنيّة القصيرة التي تفصل بين موعد إجراء الامتحانات وموعد تدقيقها أن يجهّز الإجابات على أسئلة كل هذه النّماذج، وكان ردّنا لأنفسنا يأتي سريعا: إنها موسوعيّة هذا الرّجل الفذّ.
فقيدنا لم يكن فقيد العلم فقط بل كان فقيد كل صفات الخلق الحميد ، فكان دمثا، متواضعا، وطنيّا صادقا مخلصا لقضايا شعبنا محبّا للجميع فأحبّه كلّ من عرفه.
تاريخ فقيدنا المشرّف خير عزاء لعائلة الفقيد ولكلّ من عرفه .
