إحدى القضايا التي يجب مواجهتها بجرأة هي السم المذهبي الذي ينخر مجتمعات عربية ويعرّضها لمخاطر لا نبالغ لو وصفناها بالوجودية. مع التأكيد أننا نعرف ونذكّر ونحذر دائمًا من سياسات الاستعمار "فرّق تسد" القديمة المتواصلة؛ مرة على شكل تحريض طائفي ومرة بصورة دبّ الانقسام المذهبي. هناك قوى تقوم بهذا بشكل مخطط ومنهجي، صحيح. لكن توجد أرضية يجب مواجهتها داخل المجتمعات العربية.
يُقال هذا بالتزامن مع الجدل العراقي قبيل الدخول الى مدينة الفلوجة لتحريرها من سوائب داعش القتَلة المأجورين – سواء علموا بالكارثة التي يحدثونها أم لم يعلموا لشدة التكفير المرضي! - فالجدالات تنصبّ حول "الهويّة المذهبية" لمن سيدخل المدينة، سني أم شيعي. تراشقات السباب والشتائم، حتى في وسائل اعلام رسمية وليس على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، كلها مدفوعة بانغلاقات مذهبية تزيد الشروخ والجروح في الهوية العراقية العريقة الواحدة. وهنا يجب الاشارة بوضوح الى دور نخب دينية مهيمنة في تغذية هذا الخطاب البشع والمضرّ، في مختلف المجموعات المذهبية والدينية.
الناس، الشعوب، المجتمعات تقع ضحية لهذا التجييش الظلامي، بسبب انغلاق الأفق المدني والوطني الجامع، وأيضًا بسبب هيمنة السلطات الدينية، التي تضم (بدون تعميم) شخصيات متعصبة و/أو منتفعة تخلط السياسة بالدين والمذهب والمصالح. ومنعًا لفتح دروب على جلد الذات نشير: ليست هذه حالة عراقية أو عربية خاصة، لا، بل سلوك اجتماعي جرى ويجري في أزمنة وأمكنة مختلفة. ولطالما كانت نتائج ظواهر التسلّط الديني كارثية في سياق التفتيت والتدمير وصرف النظر عن المصالح الحقيقية للناس، في العيش الكريم والتقدم وتحقيق الاستقرار الفردي والجماعي، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، والاثراء المعنوي والثقافي والابداعي.
إن التهمة الموجهة للمستعمر بإذكاء نار الانقسام ما تزال حاضرة بقوّة وبحق، وتستدعي مقاومته، والى جانبها يجب المكاشفة والمناقشة المبدئية غير المتلعثمة في المجتمعات العربية عمذا تتعرض له من تحريض باسم الدين والمذهب، وما تسببه لأنفسها من أضرار كارثية. فالتمترس في خنادق التعصّب ليس فقط أنه لا يحمي المجتمعات أو يكرّسها في "وضعها الراهن"، بل يرجعها ويدهورها الى الخلف بكل ما يحمله الأمر من دلالات مدمّرة.
