دعت مؤخرًا مجموعة تطلق على نفسها اسم "اللجنة التربوية الشعبية" في كفر مندا الجليلية، إلى إقامة مدرسة خاصة للبنات في القرية، وذلك، بحسب اللجنة، منعًا للاختلاط وتجنبًا لـ "الانحرافات"!
ويسوق دعاة منع الاختلاط، هنا وفي العالم العربي، من ضمن ما يسوقونه، تسويغات شبه "أكاديمية"، تدّعي أنّ فصل الطلاب عن الطالبات يؤدي إلى نتائج أفضل في التحصيل العلمي. لا بل أنّ اللجنة استشهدت بمقاطعة صينية قرّرت إنشاء مدرسة خاصة لألف طالبة.. ألف طالبة من أصل مئات ملايين الطلاب والطالبات!
ولكنّ القائمين على هذا المشروع الخطير لا يخفون دوافعهم غير التربوية، والتي يسمّونها "أخلاقية"، والتي تتعلـّق بجيل المراهقة وآثاره على سلوك الطلاب والطالبات. علمًا بأنّ هناك من يحرّم الاختلاط من الروضات إلى الجامعات، ويفعل هذا باسم الأديان عابثًا ببعض النصوص الدينية خارج سياقاتها الزمانية والمكانية.
هل المشكلة حقًا في "الاختلاط"؟ أم في مناهج التجهيل وانعدام الأخصائيين النفسيين والمستشارين التربويين؟ أليست مرحلة المراهقة جزءًا طبيعيًا من حياة أي إنسان، لها مشاكلها وحلولها التربوية والقيمية في إطار العائلة والمدرسة والمجتمع؟ وماذا بعد؟ هل سنمنع الاختلاط في الشارع والمصنع والسوق والعيادة، أم نواجهه بفتاوى "إرضاع الكبير"؟
ما يحدث اليوم في كفر مندا وفي غيرها من قرانا ومدننا من ردّة، هي أقرب إلى الجاهلية منها إلى الدين وقيمه الحقيقة، هو ردّ فعل مضطرب على تغيّرات اجتماعية-اقتصادية وسياسية بالتالي، تقذف بالناس، وبالفقراء منها خصوصًا، إلى أحضان سماسرة التزمّت الذين يتاجرون بالدين في بورصة السياسة، وبتواطؤ تام من المؤسسة الحاكمة، والممثلة في كفر مندا تحديدًا أيضًا بلجنة معيّنة "رحّبت" بهذه المبادرة الخطيرة.!
وما يحدث اليوم في كفر مندا يجب أن يواجَه بكل وضوح وحزم، على يد كل القوى الحريصة على وجه جماهيرنا الحضاري، بما في ذلك لجنة المتابعة العليا، والهيئات المنبثقة عنها، ورئيسها الذي نأمل ألا يتغيّب عن هذه المعركة كما سبق أن فعل حين امتنع عن، أو مُنع من، المشاركة في المسيرة الحاشدة ضد جرائم قتل النساء.
