الشَّباب الخمسة في ذاكرتنا

single

*إِن كانت المحكمة قد حكمت على جزَّاري مذبحة كفر قاسم، والتي راح ضحيَّتها تسعة وأربعون مواطنًا عربيًّا، قبل خمسة وخمسين عامًا، بقرش شدمي، فهنا بقي المجرمون دون محاكمةٍ ودون عقابٍ*

خمسة شهداء، ثلاثة من حيفا وهم: جورج شاما، جريس بدين وريمون مارون، وشهيد رابع من سخنين: فايز أحمد سبع وشهيد خامس من أمِّ الفحم: محمود عبد الله الأسعد.
خرجوا من بيوتهم، كعادتهم، لكنَّهم لم يعودوا إليها، كما كانوا كلَّ يومٍ، بل عادوا أجسادًا مهشَّمةً وجثثًا هامدة، بعد أن انتزعت منهم، ظُلمًا وكُفرًا وبساديَّةٍ كاملةٍ، أرواحهم وشُوِّهت أجسادهم الحيَّة بفنِّ التَّعذيب المُتقن أو بالتَّمثيل بالجثث بعد قتلهم..
خمسة شباب بعمر الياسمين، غادروا بيوتهم، فغُدِروا..
خمسة شباب تركوا بيوتهم قبل خمسين عامًا، وما زال أهلهم وأحبَّاؤهم يفتِّشون عن سبب غيابهم أو تغييبهم..
خمسون عامًا مرَّت ولا يعرف أحدٌ، من محبِّيهم ومن أهلهم، ماذا حصل لهم؟ وما هو السَّبب الذي قطع مسيرتهم في الحياة ومصيرهم في حياتهم..
وإِن كانت المحكمة قد حكمت على جزَّاري مذبحة كفر قاسم، والتي راح ضحيَّتها تسعة وأربعون مواطنًا عربيًّا، قبل خمسة وخمسين عامًا، بقرش شدمي، فهنا بقي المجرمون دون محاكمةٍ ودون عقابٍ، وكأنَّ شيئًا لم يكن، لقد مرُّوا على المذبحة وكأنَّ شيئًا لم يكن، وأفلت المجرمون من العقاب.
ويُسألُ الجزَّار عن المذبحة، فَيُجيب بصمتِ صنمٍ، وكأنَّ على رأسِ القاتل الطَّير..
وحين سألتُ والدي: وهل فُتِح ملفٌّ قضائيٌّ ضدَّ الجناة الجبناء أو هل رُفِعت دعوى ضدَّ المجرمين؟ أجابني: أقفلوا الملفَّ، بادِّعاءٍ، أنَّ القضيَّة أمنيَّةٌ! هذا ما قالوه لمحامي الأرض حنَّا نقَّارة ولمحامية الحرِّيَّة فيليتسيا لانغر حينها!
تُرى إلى متى ستبقى تلك البقرة الدَّنِسة والدَّنيئة مقدَّسة! ومتى ستُعرف الحقيقة التي ينشدها أهل الشُّهداء..
رَغِبوا في أن "يتسابقوا ع الموت" لكنَّ الموتَ سبقهم وقطفهم وهم في قمَّة قِطافهم وحيويَّتهم وعطائهم وحبِّهم لأهلهم ولحياتهم.
لم تعلُ "أقدامهم فوق رقبة الجلاد" بل أقدم الجلادُ على قتلهم وهم في عزِّ إقدامهم على العمل وبناء مستقبلهم السَّعيد والرَّغيد..
لم يفكِّروا بالجلاد، ولم يدُر في خلدهم الشَّاب، أنَّ المستقبل يخبِّئ لهم مقصلةً أو أُنشوطةً، يُؤرجِحُونهم بها، أو أنَّه يخبِّئ لهم قنبلة بدل السُّنبلة أو مستقبلاً لا تُحمد عقباه.
كان يحدِّثني والدي عن جنازتهم العارمة والجارفة، حيث لم يبقَ نفرٌ في بيته دون أن يُشارك في الجنازة، آلاف الشُّيوخ والنِّساء والصَّبايا والشَّباب والأطفال. لقد رُفِعَت النُّعوش على رؤوس أصابع أكفِّ الشَّباب، وزغردت النِّساء وغنَّت للشُّهداء وكأنَّهنَّ في عرس حقيقيٍّ وقد طالب المتظاهرون بسقوط حكومة بن غوريون، بعد أن هتفوا:"بدنا راس بن غوريون نلعب فيه الكورة" ودفِن الرِّجال الثَّلاثة في ثلاثة قبور قريبة بعضها من بعض، في مقبرة الرُّوم الأرثوذكس رغم اختلاف انتمائهم المذهبي حيث إن الفاجعة وحَّدتهم..
ووُري الشُّبَّان الثَّرى وقُبر معهم العدل الإسرائيليِّ، إن كان شيء كهذا! وأُبِّنوا ويؤبّنون اليوم ومعهم نؤبِّن إنصاف حكومة صُهيون الدِّيمقراطيَّة!
لقد كتب الكاتب الفلسطينيُّ، أكرم زعيتر، في تأبين القسَّام قائلاً:
"بالأمس دفنَّا القسَّامَ، ودَفَنَّا معه العدل البريطاني، واليوم جئنا نؤبِّنُ القسَّامَ، ونؤبِّن معه الإنصافَ الانكليزي.
    قليلة هي الجنازات التي شهدتها حيفا بهذا الزَّخم العارم وبهذا السَّيل البشريِّ المتدفِّق من أعلى قمم جبال الكرمل. لقد شهدت حيفا العربيَّة خمس جنازات شعبيَّة وجماهيريَّة، حين هبَّت عن بِكرة أبيها لتُلبِّي نداء الواجب الوطنيِّ والشَّريف في تشييع شُهدائها إلى المثوى الأخير:
   الشَّيخ المقاوم الشَّهيد عزِّ الدِّين القسَّام، وجنازة مطران العرب غريغوريوس (جبرائيل) حجَّار، وأخرى استنكارًا وغضبًا على مذبحة صبرا وشاتيلا وكذلك جنازة المفكِّر والقائد الشُّيوعيِّ إميل توما وجنازة الشَّباب الثَّلاثة.
   لقد حمل الاخوة والأخوات والأحفاد والأقارب والمحبُّون راية معرفة الحقيقة حتى يُحاسب المجرمون، وعندها يهدأ بالهم، إن استطاعوا، ويتسنَّى للموؤودين معرفة سبب قتلهم، كما سُئِلت الموؤودة في الآية الكريمة من سورة التَّكوير ? وَإِذا المَوْؤودَةُ سُئِلَتْ*  بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَت?.
نحن طُلاب حقٍّ ونُطالب بكشف الحقيقة..

 

(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

امور تستحق التفكير... جيدًا

featured

بين الواقعية والترميز

featured

هدف ذاتي يُحدِث هزة أرضيّة وإعصارًا سياسيًّا

featured

لنزع سلاح القوّة الامبريالية أولا

featured

"خكومة" تكنوقراطيّة!

featured

اخفاق وتراجع