الإصغاء هو سماع الأذن بوعي وتفهم والمقدرة على التركيز والتمعن في حديث الآخر والانفتاح الكلّي لأفكاره،تجاربة ومشاعره مما يمكن من فهم الآخر بصورة جيدة وتجنب السرعه في الاستنتاج وبناء المواقف، والحكم على الأمور بمنطق وموضوعية، لذا يعتبر الاصغاء أحد اصول الحديث والحوار الحضاري الراقي.
الإصغاء هو عملية مكتسبة من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي يشترك فيها الاهل والبيئة المحيطة ومن ثم المدرسة والمجتمع الشامل. لذلك يتوجب تعليمها للفرد منذ الصغر لكي تذوت وتصبح صفة من صفاته الشخصية.
ولكن الواقع يشير الى عدم تقدير اهمية الإصغاء في مجتمعاتنا وخاصة عند الامهات، وهذا ما يثير القلق والتخوف على مستقبلنا الذي يعيش واقعا مريرا من التناقضات والتحديات التي تفرض وجود افراد لا يملكون القدرة على مواجهة ذلك. كما قد يكون ذلك نتيجة لعدم ادراكهن لاهمية الاصغاء في بلورة وتشكيل شخصية الطفل وتحديد معالمها المستقبلية. وعدم المعرفة بكيفية اكساب هذه المهارة لابنائهم وليس هذا فحسب انما يتعداه الى عدم اعطاء الفرصة للطفل للتعبير عن ما يود قوله واحيانا زجره واسكاته مما يخلق شخصية مكبوتة مهزوزة لا تملك القدرة على التعبير ومواجهة الحياة ومواقفها.
يجب على الامهات الوعي والادراك بأهمية تعليم هذه المهارة للأبناء منذ مراحل الطفولة الأولى. بهدف تعويد الأبناء على الاصغاء للآخرين واحترامهم والحوار والمناقشة بتفهم وبصيرة، كما ان الاصغاء للطفل نفسه واعطاءه الوقت الكافي للحديث هو تعبير عن المحبة والاهتمام بالطفل مما يكسبه الشعور بالامان والاتزان.
إن مهارة الإصغاء ضرورية في حياتنا اليوميه بل اعتبرها قيمة من قيم ومُثُل المجتمع، فالإصغاء يؤدي الى التفاهم وايجاد اللغة المشتركة التي تعزز التواصل وتنمي الثقة والمودة المتبادلة والتعاطف. وبالمقابل نجد ان معظم المشاكل التي تحدث بين الناس وتضعضع العلاقة بينهم يكون عدم الإصغاء والفهم سببها الاساسي، فعدم الإصغاء الى الآخر يشعره بالاهانة والارتباك وعدم التقدير واحيانا يؤدي الى تفسير الحديث بشكل خاطئ واتخاذ المواقف السلبية العدائية.
إن الإصغاء له الاهمية البالغة في العملية التربوية اذ يؤثر على العمليات العقلية والذهنية، فحسن الإصغاء يقود إلى معرفة أكبر، ويؤثر على التحصيل الدراسي للطلبة فهو وسيلة من وسائل التعلم تقود الى فهم ما يطرحه المعلم من مواضيع علمية ولغوية واجتماعية بشكل كامل وايضا فهم آراء ووجهات نظر الآخرين من الزملاء وتوسيع آفاقة العقلية والفكرية. وتتعلق عملية اصغاء الطالب باستعداده لان عدم الاستعداد للاستماع يُعتبر العائق الأكبر في عملية التعلم وكما نعلم فان للمعلم الدور الرئيسي في اعداد الطلبة وتهيئتهم لعملية الاصغاء، لذا يتوجب على المعلم:
أولا: ان يكون قدوة ونموذجا يتم محاكاته من قبل الطلبة بان يكون مثالا للمستمع الجيد واعطاء الفرصة الكاملة للطالب للتعبير، واظهار الاهتمام بما يقوله وعدم مقاطعته، وادراك اهمية التعبيرات العاطفية والنفسية والسلوكية وملاحظتها. وان يُهيئ البيئة المناسبة التي تشجع على الاصغاء، وعرض المواضيع المهمة بلغة واضحة ومفهومة لاستثارة الدافعية الداخلية للرغبة في الاصغاء، ويجب على المعلم استخدام أساليب مشوقة ومتنوعة تراعي الفروق الفردية بين الطلبة لجذبهم والاستحواذ على انتباههم وتركيزهم واستخدم دائما أحدث التقنيات والوسائل، التي تساعد في استدعاء تركيز الطلبة.
يمكن القول بان الإصغاء هو مهارة وفن يجب أن يمتلكها كُل فرد في المجتمع وهي ثقافة أساسية في المجتمعات المتحضرة الراقية.
(عرابة)
