بعد ثماني سنوات في رئاسة "الموساد"، تحوّل خلالها إلى أقوى وأبرز شخصية في جهاز "الأمن" الإسرائيلي، ينهي مئير داغان بعد ثلاثة أشهر، بعدما رُفض طلبه التمديد سنة إضافية.
حين عيَّنه رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون، قال فيه، من باب الإطراء، إنّ "مئير مختصّ في فصل رأس العربي عن جسده"، أي أنه، بكلمات أخرى، لا يملك أي وازع أخلاقي وبالتالي فهو كفؤ لقيادة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. وتكفي هذه الشهادة ومصدرها لنفهم الطبيعة الإجرامية الوحشية للعقلية التي تحرّك أجهزة دولة الإرهاب المسماة اعتباطًا بدولة اليهود.
ويرجّح المحللون أن السبب الأساسي في عدم التمديد لداغان هو سلسلة الفضائح الدبلوماسية وغيرها التي سبّبتها عملية اغتيال ناشط "حماس" محمود المبحوح في دبي في كانون الثاني 2010، واحتجاج العديد من الدول الأوروبية على استخدام جوازات سفرها وأوراقها الثبوتية في عملية الاغتيال المافياوية الوقحة.
في الأعوام الثمانية الأخيرة تضخّمت ميزانية "الموساد" بشكل كبير، ورُصد جلـُّـها لتعطيل البرنامج النووي الإيراني ولعمليات ضد سوريا وضد المقاومة اللبنانية، ليعاد إنتاج هالتها الأسطورية كـ "يد طولى" لدولة الإرهاب. وفي كثير من الأحيان، كانت الرأس تأتمر بأوامر اليد وليس العكس، وكان داغان الآمر الناهي في "القرارات الخاصة"، لدرجة أزعجت سواه من المؤتمنين على إنتاج الإرهاب الرسمي الإسرائيلي.
لا تعنينا الصراعات الداخلية في "الموساد" واستئثار داغان بالقرارات وإقصائه لمرؤوسيه وما إلى ذلك من تفسيرات تساق لتحليل التطوّر الأخير. فالأساس هو أنّه رغم كل "النجاحات" المسجّلة في رصيد "الموساد" ورئيسه مؤخرًا، وإعادة الاعتبار المعنوية لهذا الجهاز، فإنّ أزمة دولة إسرائيل السياسية اليوم لا يمكن حلـّها بالوسائط الاستخبارية، مهما بلغت من دهاء وقذارة. وهي معادلة ثبتت أيضًا في قضية أسطول الحرية قبل شهر: أنّ مكمن المشكلة في الرأس المدبّرة، في العقل السياسي الإجرامي الملوّث بالعنصرية والاستعلاء، أكثر منها في الآليات والأدوات.
ونحن إذ نقرأ هذا التطوّر كمؤشر جديد على هذه الأزمة، نحذّر من أنّ محاولة الهروب منها قد تأتي على شاكلة مغامرات إرهابية جديدة، أو حتى حرب عدوانية على إيران أو غيرها، ستدفع ثمنها شعوب المنطقة قاطبة، بما فيها الشعب اليهودي الإسرائيلي الذي تُقترف كل هذا الجرائم باسم بقرة "أمنه" المقدّسة.
