تتوالى الأنباء، مؤخرًا، حول لقاء فلسطيني-إسرائيلي في موسكو، برعاية الرئيس الروسي بوتين، يجمع رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، يُزمع عقده، حسب التقديرات، في تشرين الأول المقبل.
وتأتي هذه المبادرة الروسية، إن جاز التعبير، في ظل إمعان حكومة نتنياهو في دفن "حل الدولتين"، وتصفية حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورفض المبادرات المختلفة لاستئناف العملية السياسية، والتنكّر لمرجعيات الحل العادل حسب قرارات الأمم المتحدة.
ولا بدّ من النظر إلى هذا التحرّك الروسي في سياق انكماش الدور الأمريكي في المنطقة، وتشكّل نظام عالمي وإقليمي جديد، تعود فيه موسكو لتلعب دورًا مركزيًا، بعد ربع قرن من انهيار المنظومة الاشتراكية وهيمنة نظام القطب الواحد. ويُجمع المراقبين على أنّ فشل مخطط إسقاط وتقسيم سوريا له الدور الحاسم في هذه التغيرات التاريخية التي تحدث أمام أعيننا اليوم.
من نافل القول إنّ خروج ملف العملية السياسية من الأيدي الأمريكية هو تطوّر إيجابي؛ فالحقيقة هي أنّ أمريكا لم تكن فقط "وسيطًا غير نزيه"، بل إنّها كانت جزءًا من المشكلة، بانحيازها المطلق والمفضوح للاحتلال وبتواطؤها مع السياسات التوسعية الإسرائيلية، وبتوظيفها للعدوانية الإسرائيلية في إطار مخططاتها الإمبريالية المعادية لجميع شعوب المنطقة.
ومع ذلك، تساور الفلسطينيين وأنصار قضيتهم العادلة تساؤلات وإرهاصات حول طبيعة الدور الروسي، والأوراق التي تملكها موسكو للضغط على حكومة إسرائيل، وإمكانية استغلال نتنياهو لهذا اللقاء كغطاء يساعده على المضيّ قدمًا في تكثيف الاستيطان وتكريس الاحتلال، ومواجهة تدهور صورة ومكانة دولة الاحتلال في الرأي العام العالمي وتعاظم حملة المقاطعة الدولية؟
بالتالي، وبقدر ما قد يحمل الحراك الروسي من فرص، لإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وتثبيت مرجعيات الحل؛ فإنّه قد ينطوي على مخاطر أيضًا، تعزّزها العلاقات الوثيقة التي تربط موسكو بتل أبيب، والتي عمل نتنياهو على توطيدها في السنة الأخيرة.
لذا فمطلب الساعة هو ترتيب البيت الفلسطيني، وتجاوز الانقسام، ووضع استراتيجية وطنية موحّدة لمواجهة الاحتلال وللنضال من أجل انتزاع الحقوق الوطنية المسلوبة، ووضع المصلحة الوطنية الفلسطينية فوق أي اعتبار آخر.
