إن البلاد العربية التي اجتاحتها الثورات الشعبية هي في الواقع نتاج التحرر العربي من الاستبداد والظلم والاستعمار، ان كان ذلك في مصر أو في تونس أو في ليبيا. وما ثورة 22 يوليو عام 1952 إلا المقدمة الأولى للديمقراطية وهي رمز لحرية الشعوب والاستقلال. وكانت هذه الثورة المثال الراقي الذي يحتذى به بزعامة القائد العظيم الراحل جمال عبد الناصر مع الضباط الأحرار الذين غيروا وجه التاريخ ووجه مصر من العبودية إلى الحرية من الاستعمار إلى الاستقلال، دون قتل أو سفك دماء انقلاب سلمي دوخ العالم بنتائجه .
لقد امتد تأثير ثورة يوليو إلى المشرق العربي من العراق واليمن وسوريا إلى المغرب العربي الجزائر وتونس وليبيا بتغيير نظام الحكم في هذه الدول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، بهدف حرية الشعوب وحرية الكلمة ودمقرطة الأنظمة المنكوبة وسيادة الإصلاح السياسي والاجتماعي والمساواة الفعلية بين كل طبقات الشعب .
إن تغيير الأحكام في تونس أتت بزين العابدين بن علي في7/11/1987 الرئيس الثاني منذ استقلالها عن فرنسا عام 1956 بعد الحبيب بورقيبة،
وفي ليبيا أتت بمعمر القذافي منذ عام 1969 عندما جاء إلى السلطة في انقلاب ابيض قام به القذافي مع مجموعة ضباط سموا أنفسهم الضباط الأحرار تيمنا بالضباط الأحرار في مصر الذين انهوا الملكية وأطاحوا بالملك إدريس السنوسي وأطلق عليها لاحقا " ثورة الفاتح من سبتمبر"، وفي الجزائر بعد الكفاح الطويل والمقاومة البطلة ضد الاستعمار الفرنسي طلبا للحرية والاستقلال كان ابطال هذه القضية الفريدة مليون شهيد،
وفي اليمن أتت بعبد الله الصالح منذ العام 1978 وفي العراق أتت بعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف في 14 تموز 1958 وفي سوريا أتت بالقوتلي عام 1955 .
هذه الثورات العظيمة والانقلابات ضد الاحكام الجائرة في العالم العربي التي حذت حذو ثورة مصر العظيمة نصبت رجال ثورة جددًا منهم من استفاض بالحكم لمدة عقدين أو ثلاثة عقود، نسوا فيها ثورتهم التي قاموا بها وتمسكوا بالسلطة ونسوا شعوبهم التي انتفضت معهم وحرصوا على خدمة أنفسهم وعائلاتهم والمقربين منهم باكتساب ثروات البلاد لصالحهم وليس لصالح شعوبهم التي بقيت تعاني من الفقر والحرمان وانعدام الحرية والديمقراطية . فانطلقت الشرارة الأولى في تونس الخضراء بفضل محمد بو عزيزي الذي احرق نفسه رمزا للتضحيات من اجل حرية شعب تونس المتعطش للحرية ومن اجل إحقاق الحق لشعبه المسكين، فكان نتيجة ذلك رحيل الرئيس التونسي زين العابدين وعائلته وقد أخذت زوجته معها طنا ونصف الطن من الذهب بالاضافة الى الأموال المنقولة. وآلت ثورة مصرفي 25/1/2011 التي انطلقت من ميدان التحرير الى تحريك ملايين البشر ولم يستجب الرئيس لطلبات الشعب، وقد حاول التغيير لكن مكانك عد، فاستمرت الثورة في كل المدن والريف المصرية إلى ان اجبر الرئيس مبارك بالرحيل هو وعائلته إلى شرم الشيخ مع مصادرة أملاكه وأمواله في داخل مصر وخارجها، وحقن الكثير من الدماء بعد ان قامت فئات من البلطجية بقتل الأبرياء من الشعب .
وانتقلت الثورة إلى ليبيا بمظاهرات شعبية صاخبة ضد حكم القذافي وأولاده ولم يخضع لطلبات شعبه الذي طالب برحيله من ليبيا والتنحي عن الحكم، ولا زالت المقاومة الشعبية قائمة حتى اليوم بشجاعة وبسالة مسيطرة على أقسام كبيرة من البلاد وعلى بعض آبار النفط التي انفرد القذافي وعائلته والمقربون منه بأموالها والتصرف بها دون الاهتمام بمصالح شعبه الفقير .
ومن المغرب العربي انتقلت المظاهرات الشعبية إلى المشرق العربي في اليمن والبحرين والسعودية والعراق والأردن مطالبة بالإصلاحات العامة وأعظم هذه الثورات في اليمن بطلب شعبي برحيل الرئيس عبد الله صالح .
إن الاحتقان الشعبي والظلم والاستبداد بالحكم والفقر والجوع أدى إلى انتفاضات شعبية وثورات عارمة ضد الحكام الذين استبدوا بالسلطة وأموال الدولة لصالحهم وصالح عائلاتهم والمقربين منهم .
لا شك أن هؤلاء الرؤساء الذين ثارت شعوبهم ضدهم هم في الأصل من قياديي ثورات التحرر ولا شك أن لهم ماضيًا عريقا ضد الملكية والاستعمار إلا أنهم نسوا أنفسهم ونسوا شعوبهم ونسوا الثورات التي قادوها، واسترسلوا في غيهم وطغيانهم واستبدوا بالسلطة بانتخابات مزيفة بنسب تفوق الـ 99 % لعشرات السنين ضاربين عرض الحائط بمصالح شعوبهم العربية الصابرة والقادرة على التغيير .
إنه من العيب والعار على هؤلاء الرؤساء ضرب انتفاضات شعوبهم وقمع الثورات التحررية وقتل الأبرياء من عامة الناس ومن المتظاهرين طلبا للحرية وضد المعاناة المستمرة. إن صناع الثورات من هؤلاء الرؤساء
لا يحق لهم قمع هذه الثورات التي وقفوا على رأسها منذ عشرات السنين وبدل أن يتفهموا متطلبات شعوبهم ويحكّموا عقولهم في أسباب هذه الثورات اختاروا أسوء السبل في قتل أبناء شعوبهم وسفك دماء الأبرياء متناسين ثوراتهم البيضاء التي قادوها في أول حياتهم .ولو أخذنا ما قام به عبد الناصر بعد الخسارة في حرب الأيام الستة حيث قدم استقالته متحملا المسؤولية كاملة فكان أن هبت الشعوب في مصر والعالم العربي برفض استقالته بمظاهرات شعبية أعادت الثقة به من جديد .
إن عالمنا العربي وقيادات الثورة الجدد يجب أن يسنوا قوانين جديدة تمنح كل مرشح للرئاسة أن يرشح نفسه فقط لمرحلتين لا أكثر، وإعطاء الشعوب حق التصويت واختيار الرؤساء بشكل ديمقراطي سليم لا أن يفرض عليهم ذلك . وجدير بنا أن نتعامل مع الديمقراطية وحرية الشعوب بواسطة الشعوب أنفسهم لا ان تفرض الديمقراطية المزيفة من خارج البلاد، كما حدث ذلك في العراق والتي لازالت تعاني وتقاسي حتى أيامنا هذه وساحات العراق مليئة بالقتل وسفك الدماء، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أين الديمقراطية التي حاربت أمريكا من اجلها لمصلحة العراق أين الشعب العراقي من الحرية والاستقلال، حيث لا زال الفرات يعاني من لونه الأحمر ولا زالت حضارة العراق تنزف دما وجرح بغداد والموصل وكربلاء لا زال ينزف دما ويعيش الشعب العراقي بالمآسي والويلات بالخراب والمتفجرات .أما آن الأوان أن يستلهم رؤساء العرب الحكمة والعقلانية ويقدروا مطالب شعوبهم ولا يعبثوا بأموالهم لرفاهيتهم ومصالحهم الخاصة وتكديس الأموال في بنوك الغرب التي سرعان ما تصادر عند كل انقلاب أو ثورة شعبية . إن عائدات النفط والكنوز العربية باستطاعتها إنعاش كل شعوبنا العربية من المغرب العربي إلى المشرق العربي وإذا تجمعت شعوبنا العربية تحت اسم واحد كالولايات المتحدة العربية، يمكنها أن تضاهي اكبر دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. لماذا لم يستلهم حكامنا العرب من المقولة المكتوبة على أبواب قصورهم " وخاصة في دول الخليج " لو دامت لغيرك ما انتقلت إليك " لتنتقل السلطة بالطرق السلمية الديمقراطية ولا يستبد بالحكم لعشرات السنين ويورث الحكم من الآباء إلى الأبناء، متجاهلين حرية الشعوب باختيار رؤسائهم ومؤسساتهم الدستورية والقانونية بشكل حر وديمقراطي حتى نصل إلى مصاف الشعوب المتحضرة والتي تحاول إغراءنا بالديمقراطية المزيفة .
أفيقوا أيها الحكام العرب وتنبهوا ليقظة الشعوب التي طال اضطهادها واستمرت معاناتها على امتداد عشرات السنين، وإذا فاقت شعوبنا العربية من سباتها وطالبت بالحرية والديمقراطية فلبوا النداء واعملوا على التغيير والإصلاح لما فيه مصلحة الجميع والله الموفق .
(دير الأسد )
