كَلِمَةُ وَفاءٍ

single

أعرفُ أنَّه من واجب الأغلبيَّة القوميَّة في وطننا، أن تحمي الأقليَّة القوميَّة التي تعيش بين ظهرانيْها كالأرمن والشَّركس وغيرهم، وعليها كذلك حماية جميع الأقليَّات الطَّائفيَّة والمذهبيَّة من أبناء شعبها والذَّود والدِّفاع عنها وأن تقيه من كلِّ مكروه ولا تضطَّهِدها، وتتَّهمها بالإرتداد أو الكفر أو الإلحاد. وان لا تدعها تشعر بأنَّها غريبة الوجه واليدين في وطنها وبين أهلها وناسها، بعيدة عن باقي أبناء جلدتها ومنبوذة من بين أبناء شعبها الواحد، وهذا من شِيَم المروءة والنَّخوة وعزَّة النَّفس وتاريخنا العربيُّ يشهد لذلك. فمَن أشهَرَ هذا السَّيف على فئة معيَّنة من الشَّعب، فإنَّه سيُشهِره في وجه باقي الفئات والمذاهب والمعتقدات متناسيًا سيف الغبن السُّلطويِّ لقطع رقابنا أو متناغمًا مع سياسة السُّلطة لإضعافنا وتجِزئتنا وشرذمتنا أو متجانسًا مع سياستها "فرِّق تَسُد" وداعمًا لها، كافرًا بالآية الكريمة ﴿وَجَعَلْنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾..
إنَّ هذا الظُّلم الذي، لحق بأبناء الطَّائفة العربيَّة المعروفيَّة، لَم يأتِ من فراغ، ولم يكن وليد اليوم، فهو صنيعة الغرباء الذين أتوا بلادنا وحكموا وطننا على مدى قرون، والآن كما في كلِّ آن يحاولون إعادة كرَّتهم ثانية، بحسب متطلَّبات وحِراك ما يدور حولنا، ليسهُلَ عليهم كسر وحدتنا وحرق مقدَّراتنا والسَّيطرة على مقدَّساتنا بدون أدنى مجهود أو تعب.
لقد شعر، وما زال يشعر، أبناء شعبنا من الطَّائفة المعروفيَّة الكريمة في بلاد الشَّام بأنَّهم جزء حيٌّ وواعٍ يفتخر بعروبته النَّقيَّة، ويعتزُّ بانتمائه لهذا الشَّعب العربيِّ الأصيل، ويرفض سلخَه عن شعبه منذ أن كان، ومثالاً لا حصرًا الثَّورة العربيَّة السُّوريَّة الكُبرى، بقيادة سلطان باشا الأطرش، والمشاركة الفعَّالة والباسلة في النِّضال مع ابناء شعبهم في تنظيم الكفِّ الأخضر ضدِّ الانكليز في صفد، عام الف وتسعمائة وتسعة وعشرين وفي ثورة السِّتَّة والثَّلاثين، وضدَّ عساكر الهجناة والليحي في قُرى الجليل، تحديدًا في قرى الهوشة والكساير، ومنع تشريد شعبنا إلى الشَّتات واللجوء يوم نكبته، زِدْ على ذلك كم من المساعدات السِّرِّيَّة التي قدَّموها وما زالوا يقدِّمونها لأسرانا داخل السُّجون.. وكانت عائلتي شاهدًا على هذا، عندما لجأت إلى قرية بيت جن الأبيَّة، الجليل الأعلى، في طريقها إلى لبنان، حيث حضن أهل القرية العائلات النَّازحة قائلين لهم "اللي بصير عليكو بصير علينا"، ونحن ما زلنا نُكنُّ الوفاء والعهد  للعائلات الثَّلاث صلالحة (حسين أبو مالك)، وأبو عبسي (عبد الله أبو شفيق)، وقد تابع المعروفيُّون نضالهم ضدَّ التَّجنيد الإجباري منذ أن فرضته الدَّولة عليهم حيث وجَّهوا رسالة إلى رئيس الدَّولة آنذاك، يتسحاق بن تسفي، مطالبينه فيها بإلغاء قرار التَّجنيد الذي أصبح ساري المفعول في نيسان من العام ألف وتسعمائة وستَّة وخمسين، وتبعتها رسائل أخرى وعرائض موقَّعة من آلاف أبناء هذه الطَّائفة الجليلة ترفض الذُّلَّ والهوان والخيانة وتؤكِّد انتماءها للشَّعب العربيِّ الفلسطينيِّ منذ أن خُلقوا، فكيف لنا أن ننكُث ونغدر بمعروف بني معروف، لقد جاء في الحديث الشّريف "من عامل النّاس فلم يظلمْهم، وحدَّثهم فلم يكذِّبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو من كملتْ مروءته وظهرتْ عدالته ووجبتْ أخوَّته"، فهل يحق لأحد أن يتَّهمهم بالرِّدَّة..
إنَّ هذه الفتنة الطَّائفيَّة والمذهبيَّة باطلةٌ ومرفوضةٌ، ويلعنُ الله من يوقظها ويُشعِلُها، احذروها واجتنبوها لأنَّها رجسٌ من عمل الشَّيطان، ﴿وَالفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾.
وخير كلمة لهذا الوفاء ما كتبه المناضل داود تركي (ابو عائدة) في قصيدته يا رافض التَّجنيد:
يَتَساءَلونَ: مَن الدُّروزُ؟ أُجِيبُهُم بِعُروبَتي الأَقْحاحُ والأَخْيارُ
جَبَلٌ وَسُلْطانٌ كَبيرُ جِبالِهِ والثَّوْرَةُ الكُبْرَى لَهُ الإِكْبارُ

 

 

 حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

ايهود براك واستهبال الناس

featured

محاولة للتشبّث بالسّلطة، بالنّهب!

featured

حِكايَتان قَرَوِيّتان

featured

حكومات إسرائيل هي المسؤولة الرئيسيّة

featured

حيفا حيفانا والكرمل كرملنا

featured

الجامعات والجامعيون في المهداف