من عادة أم شفيق، خزنة الحوراني، أنها بعد زيارة قبر فقيدها زوجها في مقبرة القرية، الذي توفّي وخزنة في عزّ شبابها، تاركا لها أربعة أولاد وفقرا متوارثا أبا عن جد، من عادتها أنه بعد انتهاء صلاة العيد الصباحية تكون أم شفيق أول من يشعل طباخا لإطعام زغاليلها قبل أن يتفرقوا للابتهاج بالعيد. توقظ الجيران على رائحة لحمة الغنم المدهنة المنبعثة من دخان موقد المشاوي. وقد ربت أولادها على القناعة وان "الجود من الموجود" وإن الفقر ليس عيبا بل العيب كله في أولاد المنبوطة الذين ينتهزون العيد من الاستغلال عرق جبين العباد، فالاحتجاج على وضع القلّة وعيشة الكفاف في غربة عن أخلاق أولاد خزنة الحوراني. وكعادتها في صباح عيد الأضحى المبارك ولّعت الطبّاخ وشوت لأولادها، وبشعور الأم الحساس، الذي من الإشارة يفهم، لم تلاحظ بريق الفرحة ينطلق من أعين أبنائها وبناتها وهم يأكلون بغير شهيّة. بعد أن مسحت دمعتها خفية عن أولادها، قالت أم شفيق: يمّا يا حبايبي، "الواحد بتلهّى بالقصاص حتى ييجي الطيّار"، نذر علي أول قبضة من معاش المهندس شفيق، الذي سيبدأ العمل في شركة " السوليل بونيه" أول الشهر القادم سأشتري لكم عبورا "معرعرا" وصحتين على قلوبكم، استرونا يا أولادي هذا العيد كيلو العبور وصلت السحاب، سعر الكيلو وصل إلى مئة وعشرين شاقلا، اضطريت أخلط لحم عجل مع طبّات دجاج وشوية لحمة غنم من دغلية مدهنة، يوم ويمضي" . وانبسطت أساريرها عندما لاحظت علامات الرضا على وجوه أولادها. وفيما هي تقلب شياش اللحمة على الطبّاخ فوجئ الجميع بجار الرضا جريس الحنّا أبي وئام وزوجته، يحمل تحت إبطه شيئا ما ملفوفا بما يشبه الملحفة. قال أبو وئام: " كل عام وانتم بخير، إن شاء الله العيد القادم ربنا يفتحها ويعود إخوتك والغياب من مخيمات اللجوء في الخارج ونفرح بقيام دولة شعبنا الفلسطيني. قررنا أم وئام وأنا ان نشارككم فطور العيد، وآمل أن تقبلوا منا فخذة العبور، وعلى العشاء أنت والأولاد معزومون على أكلة كبّة نيّة حرّاقة من ايدين "فلّة" " أم وئام". "كلكو واجب يا دار أبو وئام، فضلكم دائما سابق، ابنتي بدرية عمرها خمس سنوات، سألتني، هل دار أبو وئام يقربوننا؟ قلت لها: نعم، ولم تقتنع وقالت كيف؟ وبأنها رأت أبا وئام، يوم الأحد مع زوجته متوجهين إلى الكنيسة وليس إلى الجامع! وهات فسّر لطفلة صغيرة المدلول الهام لهوية الانتماء القومية والوطنية عابرة الطوائف ومختلف الانتماءات العائلية والدينية، كل ما فهمته من تفسيري، بعد أن جهدني العرق والتعب، إن أبا وئام زي ما بيقولوا عن أبي أنه كان مع الحمر ومعه المسيحي والدرزي واليهودي، ونوال بنت جيراننا بتلبس ربطة حمراء وبتغني في صفنا، في البستان، "وحدة وحدة وطنية ، إسلام ودروز ومسيحيّة"، المعلّم صيّح عليها وقال لها ، "روحي غنّي في بيت أهلك"، كنو كافر يمّا، قالت بدرية. بجوابها ارتاحت وارتحت معها.
وعندما بدأنا بارتشاف المحبوبة السمراء، قال شفيق: " وضع الناس صار كبّة، صعب جدا، الأسعار ترتفع وشغل يبعث الله، البطالة طالت أنيابها المفترسة أعدادا كبيرة من عمالنا العرب، الفقر أصبح الضيف المداوم في أكثر من نصف عدد العرب في البلاد. تصوّر أنه في يوم عيد الأضحى كنت ترى في كل زاوية وفي كل حارة ناسا يضحّون بذبائح من العجول والثيران والغنم ويوزعون حصصا على الفقراء والمحتاجين، واليوم في بلدنا من النادر أن تجد من يضحّي، فالمقتدر أصبحت جيوبه مخزوقة ويحتاج إلى الدعم. وتابع أبو وئام قائلا: انتشار الفقر والبطالة ليس ضربة من السماء "يختبر" فيها رب العباد مدى صبر وإيمان الضحايا من ذوي البطون الخاوية، بل هي ضربة شيطانية من سياسة نظام وكر الذئاب المفترسة، من سياسة أسوأ حكومة عدوان وتمييز وعنصرية فاشية وإفقار شهدتها إسرائيل، حكومة تجمع في وكرها أكثر القوى اليمينية تطرفا وعدوانا وعداء للسلام ولشعبنا ولجماهيرنا وللطبقة الكادحة. . فهل يرتجى من مجرمي الحرب والدوس على حقوق وسيادة وحرية وسيادة شعب ، من قواريط أرض إسرائيل الكبرى والفاشية والعنصرية والترانسفيرية الصهيونية، هل يرتجى خير من أعداء الإنسانية ؟ لقد صدق السودانيون بمقولتهم، التي تنطبق على حكومة الكوارث، مقولة "يا شايف الزول يا خايب الرجاء". فلا مفر من الوحدة الكفاحية لتغيير الواقع المأساوي، فهيا إلى الكفاح.
