العجب العجاب

single
قلتها وأقولها دائما مرارا وتكرارا بأن لا أمل يرجى من الوعود الأمريكية، ولن يأتي يوم لا تكون فيه هذه الإدارة أو أي إدارة أمريكية أخرى، الا الى جانب إسرائيل.  فلنفهمها إذا. لقد آن الأوان أن نبدأ بإعادة جدولة علاقاتنا مع أية دولة انطلاقا من هذا المفهوم: مصالح مشتركة ومتبادلة و"حك لي تا حكلك" والدول العربية تمتلك الإمكانيات لتحقيق ذلك. وبغير ذلك لن تكون الإدارة الأمريكية الى  جانب الشعب الفلسطيني المظلوم والشعوب العربية وتترك إسرائيل. إن الهدف الأول والأهم لكل إدارة أمريكية هو الحفاظ على بقاء إسرائيل آمنة مستقرة وتثبيت إقدامها في هذه المنطقة فبالرغم من مضي ستين سنة احتلال، فلا أمريكا ولا إسرائيل مطمئنة   لديمومة الحال.
لا للبناء في الأراضي المحتلة، حتى وان يكن ذلك لسد احتياجات النمو الطبيعي في المستعمرات القائمة قالها أوباما بالفم الملآن , ذهب كما نعلم الى القاهرة وخاطب الشعوب العربية والإسلامية بأن في نيته تغيير طريقة سلفه، وأنه مصمم على معالجة الخلافات بطرق الحوار والتفاهم وصمم على حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واستبشر الناس خيرا ولكن سرعان ما أخذت هذه الوعود تتلاشى، فها هو يرسل بإمدادات أخرى من الجنود الى أفغانستان، وبدأ يفكر كسلفه إذ يصرح  بأن أمن أمريكا هو في أفغانستان. استثنى البناء  في القدس وأن المنع لا يشمله،  ثم عندما لم يوافق نتنياهو على ذلك واعتبر أن طلب وقف البناء هو شرط مسبق يضعه الفلسطينيون لبدء المفاوضات، جاء أوباما وأيد ذلك، دون تردد، أو ليس هذا هو العجب بعينه؟
وأما الأعجب أن يذهب أوباما الى أبعد من ذلك، فهو يطلب من الدول العربية إقامة العلاقات مع إسرائيل كبادرة حسن نية منهم تجاهها لتشجيعها على المضي في عملية السلام. وفي الأصل هل سالت الإدارة الأمريكية نفسها: ما الذي قدمته إسرائيل حتى اليوم لعملية السلام؟ لا شيء. وما معنى هذا الكلام الا أن اعملوا يا عرب سلاما مع إسرائيل، دون أي مقابل تقدمه واتركوا الشعب الفلسطيني وحده. وبعبارة أخرى، فالمطلوب عدم الربط بين الموضوعين، يعني إقامة علاقات مع إسرائيل هي شيء والشأن الفلسطيني موضوع آخر.  وقد كان ذلك هو الهدف الأهم من زيارة السيدة كلينتون، وزيرة الخارجية للمنطقة، فقد جاءت لتحلب المزيد من التنازلات من الدول العربية والفلسطينيين، ولتقول، وبصريح العبارة، أن المطلب  بوقف البناء هو بالفعل شروط مسبقة، ولا يحق للفلسطينيين طلب ذلك. لقد جاءت لتنفذ ما أمر به نتنياهو.
والآن تستعد  واشنطن للوقوف ضد تقرير غولدستون باستعمال حق الفيتو، إن أحوج الأمر عند عرضه على مجلس الأمن. ولقد تساءلت وسائل الإعلام عندما مُنح أوباما جائزة نوبل للسلام بهذه السرعة وهو لم يحقق بعد شيئا من هذا القبيل، ولا في أي بلد من بلدان العالم، فهل كانت الجائزة عربونا لعدوله عن تصريحاته السابقة يا ترى؟ وكيف لرئيس كأوباما يستطيع أن يغمض عينيه عما نشاهده يحدث في القدس كل يوم من اعتداءات على السكان العرب، احتلال بيوتهم والقذف بهم وبمتاعهم الى الشارع، بتأييد سلطة شرعية، محكمة عدل عليا.  لقد اختبأ اوباما. ما سبب هذا التغيير وهل صحيح أن إسرائيل تقدر أن تعصي الدولة العظمى الوحيدة في العالم ؟ وعلى ماذا يرتكز هذا العصيان؟ إذ لا بد من عوامل يستند اليها .
إني  مع أصحاب الرأي الذي يقول ان أمريكا بالنسبة لكل دول العالم  وفي هذه الحقبة الزمنية هي الدولة الكبرى لكنها بالنسبة لإسرائيل فهي ليست كذلك. إسرائيل تعيش من خيرات أمريكا، وعلى حساب دافعي الضرائب من شعب أمريكا، وفوق ذلك تسرقها في العلانية وتقوم بالتجسس عليها وهي لا تقدر أن تعصي لإسرائيل أمرا. وهذا يرجع للأسباب الآتية:
1- إن إسرائيل تنطلق في سياستها الخارجية وهي مرتكزة على ركائز تظهر للأكثرية من شعوب العالم أو قل إن إسرائيل تظهرها للعالم على أنها حقائق ويصعب على الكثيرين اكتشاف زيفها وإسرائيل صادقة فيما تقول ومحقة فيما تفعل وأنها هي المظلومة.
الدعامة الأولى هي الإرهاب. هذا المصطلح الجديد الذي أدخله الى حياة المجتمعات في العالم، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، أي منذ ضرب البرجين في أمريكا، أناس قصدوا به تخويف العالم وأعملوا الإعلام على نشره حتى غدا على كل لسان فهو أول ما تلوح به إسرائيل كعادتها لتثير الخوف والهلع لدى شعوب ودول العالم ولذا فإن على الجميع محاربته كما أنها هي التي تصنف من هو الإرهابي وأي الأعمال هي إرهابية وقد صنفت المقاومة الفلسطينية بأنها أعمال  إرهابية. فإذا كان العالم كله يخاف من الإرهاب  فكيف لإسرائيل الدولة الصغيرة والتي تعيش في محيط زاخر من الدول العربية والإسلامية أن لا تخاف. إذا فمن حقها الدفاع عن نفسها بشتى الطرق والوسائل، وليس عليها محظور وكله مسموح. والذي يراقب الأحداث فالى جانب ذلك يلاحظ بأن إسرائيل تحاول، دائما، الدس والغمز بان الذي قام بالعمل الإرهابي هو مسلم ولهذا معنى كبير.
2- أما الركيزة الثانية، أن إسرائيل تتصرف وتستغل - أستغفر الله العظيم- كذبة يصدقها كثيرون في العالم  وهي أن الشعب اليهودي هو شعب الله المختار وهذا يعني أن بيرس صاحب مجزرة قانا هو من الشعب المختار وأولمرت وبراك أصحاب محرقة غزة  لا يمكن الا أن يكونا قد خاطبهم الرب وقال لهم أن لا تُبقوا على أحد، شيخا كان أم طفلا أو امرأة- حيوانا أم نباتا أو جمادا، على غرار ما حدث مع جدهم يهوشع بن نون عندما قدم ليحتل أريحا. فقط هم نفذوا ما أمر به الرب. وهل تعلم أن نتنياهو ووزير خارجيته ليبرمان وصفا طويلا على هذه الشاكلة، ولا غرابة أنهم أيضا هم من الشعب المختار!  يؤمنون بأنهم فوق كل الشعوب وعلى شعوب الأرض قاطبة أن تأتي وتركع عند أقدامهم وأن تتصرف وفق مصلحتهم. لكن الى حد الآن والذي لا يزال غير مكتشف هو وسيلة الاتصال التي يكلمهم الله بها، وهنا أتساءل أي اله هذا الذي يميز بين بشر وبشر؟ بين خليقة وخليقة وهو خالق الجميع؟ لكني أعود لأقول بأن لا ذنب لهم في ذلك، وفي الحقيقة فإنهم يستمدون الدعم في هذا من كلتا الديانتين المسيحية والإسلامية. ففي المسيحية لا حاجة الى برهان على ذلك فالمسيح أمه مريم يهودية فهو يهودي وكما قال هو ما جاء لينقض الناموس بل ليكمله، وأما الإسلام فلا يقدر أحد أن  يتجاهل ما جاء به من ذكر عن احترام اليهود وأنبيائهم  وبحسب إدعائهم بأنهم هم بنو إسرائيل فقد فضلهم على العالمين وهل نريد أكثر من هذا؟ لا يقدر أي مؤمن حقيقي من كلتا الديانتين، وهؤلاء ما زالوا الأكثرية أن ينكر ذلك فهو وكأنما يكفر بالإنجيل أو القرآن. ولذا فعلى جميع شعوب الأرض أن تقوم بخدمتهم  وتتصرف  بحسب أهوائهم ومصالحهم،  الى درجة أننا نراهم يأمرون دولا أن تغير قانونا عندها لأنه لا يناسبهم أو يأمرون الصحافة التي لا تلائمهم في بلد ما أن لا تكتب ما تريد و ما ترى، بل ما يريدون هم وهايدر في النمسا لا نريده رئيسا حتى ولو انتخبته الأكثرية. والقاعدة هي أن كل من لا يخدم إسرائيل فهو إما لا سامي أو إرهابي ويجب تغييره. العالم كله مطأطئ الرأس فما بال أوباما ولماذا لا يطأطئ؟ والا.
3- أما العنصر الثاني والذي لا يختلف عليه اثنان، فهو أن إسرائيل قوية عسكريا وهي أقوى من كافة الجيوش العربية، هذا بالإضافة الى أنها تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية والمحرمة على غيرها، وهذا عامل ردع مخيف. ليبرمان هدد بضرب أسوان، والطائرات الإسرائيلية قصفت ما اشتبه به أنه موقع لمفاعل ذري في عقر الديار السورية ووصلت الطائرات في إحدى طلعاتها فوق قصر الأسد، ولا نَفَس. وفي كل يوم تقوم باختراق الأجواء اللبنانية وعلى مرأى من العالم العربي، الإسلامي والعالمي، دونما أن تحسب لأحد حسابًا. جندت الرأي العالمي لضرب العراق وتخريبه، بحجة أنه يمتلك أسلحة دمار شامل، وباول أدلى بشهادة كاذبة في مجلس الأمن يشهد بها على وجود أسلحة وكله لتبرير ضرب العراق. وها هي تعمل دائبة الى ضرب ايران، وطبعا كل ذلك  دفاعا عن أمنها! اليس كذلك؟  ولا يصح الا الصحيح !.
4- أما العنصر الثالث فهو استغلالهم لطيبة قلب الانسان العربي الذي هو في طبعه كريما متساهلا وفي بعض الأحيان حتى عن حقه، فأنه يتقبل أبتسامة الآخر ويصدقها ويتغاضى عن أطماعه. العرب صدقوا ان اسرائيل تريد السلام  وتريد حل الدولتين وعلقوا في شرك المفاوضات  ومنذ أسلو في 1993 والمفاوضات مفاوضات كالذي يطحن الماء بينما خطة نهب الأرض وبناء المستوطنات والتهويد  وتثبيته  كحقائق على الأرض مستمرة وفي كل يوم تصريح واللي ما بعجبك خذ بدله وكلها في الهواء فقط لخداع وتضليل الرأي العام العالمي. العالم يسمع تصريحات  أسرائيل أنها تطلب  وتريد السلام ويصدق. وفي هذا المجال بالذات هم يستغلون عامل التساهل العربي ففي كل مرة يحصلون على تنازل ما من الدول العربية وها قد أصبح السلام استراتيجية  كل دولة عربية ولا خيار غيره  طبعا - مقولة عجز.  ولا استبعد بأن مقولة اسرائيل ان لدى الدول العربية المساحات الشاسعة من الأراضي فما حاجتهم بقطعة صغيرة من الأرض أي فلسطين وليس من المستبعد أن تجد حتى من بين ظهرانينا من يوافقهم على ذلك اما الشعب الفلسطيني الذي شرد من وطنه فسيتوطن وأنا ارى أنه قد توطن في الشتات. وفي المبادرة العربية ما يؤيد ما اقول، فالمبادرة تطرح السلام استراتيجيتها وهنا أقول نعم أني من مؤيدي ومحبي السلام العادل أما موصوع حق العودة بحسب تلك المبادرة مطروح فقط لتحاشي الأنتقادات للمبادرة على أنه مسألة للتفاوض ويجوز فيه التوصل الى حل قد يكون العودة وقد لا يكون .
واذا أضفنا الى كل ما تقدم حقيقة أخرى وهي أن من يطبخ السياسة في البيت الأبيض هو ليس الرئيس أنما الأجهزة التي تكون الحلقة حول الرئيس وهذه لا تخلو من وجود اليهود فيها في مراكز متقدمة وحساسة تصل احيانا الى رتبة وزير خارجية أو زير دفاع مثلا هذا علاوة عن الكم الآخر الهائل من أصحاب القرار المؤثر من أنصار أسرائيل ويكفينا أن نستذكر منظمة أيباك ومدى نفوذها في البيت الأبيض وفي مجلسي الشيوخ والنواب ولا يتبقى للرئيس الا التنفيذ وليس من الغريب أن تصل المعلومات الى الرئيس وأن تكون غير الحقيقية كما حصل ايضا في موضوع العراق وأمتلاكها لأسلحة الدمار وقد أشارت أجهزة الأعلام  في العالم الى هذا في أكثر من مناسبة.
أستنادا الى كل ما تقدم فان أسرائيل ليست على عجلة من امرها.  وفي كل مرة تتذرع بحجة ما وتسدل ستارة على مفاوضات كانت ثم تبدا من جديد بينما مشروعها الأستيطاني مستمر. في نهاية المشوار وبحسب تفكيرهم  يمل الناس ويستسلمون للأمر الواقع. والذي أختم به هو قولي أن طلب الحكومة الأسرائيلية بالأعتراف بيهودية الدولة ليس عبثيا كما وأضيف أيضا بأن ارض الميعاد هي ليست فلسطين فقط .
قد يهمّكم أيضا..
featured

رسالة ونداء لعاملاتنا وعمالنا: صوتنا للقائمة المشتركة قوة لحاضرنا ومستقبلنا

featured

نقد ذاتي وقد يكون مؤلما

featured

الترجمة والهيمنة

featured

ألشعب الفلسطيني إلى أين ؟

featured

الوحدة في المجتمع

featured

لا يصحّ إلّا الصّحيح

featured

الانقسام يزيد التشبّه بالاحتلال!

featured

فرصة حقيقية لإرسال اليمين الفاشي الى مزبلة التاريخ