أين نحن العرب من الثقافة الاجتماعية. إن الثقافة الاجتماعية هي ثروة ثمينة جدا وهي غاية في الجمال اذا ما تمتعنا بحسن استعمالها وأداءها المتميز اللطيف عند ضرورتها تجاه الطرف الآخر، وما احوجنا لها و لضروريتها اليومية وذلك نتيجة للترسبات والتخلف الاجتماعي القاتل السائد في محيطنا ومجتمعنا العربي وان هذه الظاهرة اي ظاهرة التخلف والتعصب الطائفي العرقي والعائلي، لا يمكن التعامي والتغاضي عنها.
اذا نحن بحاجة قصوى الى التفكر والتعلم من مجتمعات اخرى - وهذا ليس عيبا- والى النضج الاجتماعي الديمقراطي المتنور، والعزوف بكل قوة عن الفكر الطائفي والعائلي البغيض الذي اوصلنا الى حضيض المجتمعات.
وأعتقد أن على كل فرد منا وفي مجتمعنا العربي كان رجلا او امرأة ويشمل كل طبقات الشعب بمختلف مكوناته الاجتماعية وكافة المستويات الثقافية، اذًا على كل منا ان يتحمل قسطًا ولو بسيطا من المسؤولية تجاه ابنائنا وبناتنا لكي نجتهد وننهض سوية في محاولة منا لمنع المزيد والمزيد من التدهور الحاصل في وسطنا العربي، وعلينا ان نتكاتف ونتعاون جميعا دون استثناء احد منا ودون التقليل من مكانة او اهمية اي فرد من افراد هذا الشعب، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وهنا يأتي دور كل مؤسساتنا الاجتماعية الخيرية والثقافية وصولا الى كل الكتل والاحزاب العربية ان تتحمل مسؤوليتها القوميّة والوطنيّة تجاه ما يجري في وسطنا العربي ومحاولة منع استمراره لكي ننهض بوعي وشموخ في هذا الشعب قبل ان يكون متأخرا وقبل ان "يعدّي" القطار كما يقولون.
إذًا علينا ان نكتسب الثقافة الاجتماعية وهي عنصر اساسي في حياتنا وتجوالنا اليومي كما اسلفت بالاضافة ايضا لكونها مادة علمية وثقافية اصيلة وقد تكون هي الاثمن في حياة كل فرد منا، هذا اذا ما عملنا على اكتسابها والتمتع الجيد بها وبكيفية التأقلم معها والتكيّف حسبها والاستفادة استفادة قصوى من عظمتها عندما تأتي حاجتها وضرورة التعامل بها.
وإن هذه الضرورات والحاجة الماسة لها اي للثقافة الاجتماعية في ربوعنا وحاراتنا وفي ازقتنا ايضا ربما تكون حاجتنا مثل حاجتنا الى هذا الربيع الفكري المتنور لكي ننهض بمضمونها الفكري والاجتماعي ويتناسب مع التطور الايجابي للعنصر الانساني، وذلك كي يصبح العمود الفقري والمعتمد عليه لكي يكون حافزا مشجعا في شتى جوانب الحياة، لاننا اصبحنا اليوم للاسف وفي هذه الظروف الاجتماعية الفاسقة والفاسدة والتي لم نكن قد تعودنا عليها في سابق الازمان نعاني معاناة شديدة وربما الامرّين من انفسنا ضد انفسنا وضد مصالحنا وضد قيمنا الاصيلة، واصبح اليوم يتغلب على تعاملنا مع بعضنا البعض لغة "الانا" وبس ولغة التشدد ولغة "انا ربكم الاعلى"، وبالتالي هذا هو السلوك وهذه العُنجهية الساقطة الهابطة المستوى ولالف اسف واسف هي السائدة والمنتشرة في مجتمعنا العربي، وخاصة اذا ما كان هذا في محيط المتزمتين من جميع الفئات . وفي كثير من الحالات واكثر الحالات تسيدا وانتشارا يتم اللجوء لحلحلة القضايا الخلافية الناشبة على ايدي خيّري هذا المجتمع، وهناك يبدأ التشدد والتعصب الجاهلي ورفض التسامح ورفض الجنوح نحو السلم.
اذا نحن نعاني الامرّين بشكل فاضح بالاضافة لافتقارنا الشديد للتعامل السوي مع المفردات الاجتماعية الحاصلة ونستصعب تفهم معاناة الطرف الآخر لكي يتسنى لاهل الخير المتبقين بما بقى منهم في مجتمعنا لحلحلة التعقيدات الناشئة والسير قدما نحو بر الامان. فهذا السلوك وهذا الرفض والاستصعاب في تقبل الشكاوى الرفضية على الصعيد المحلي دون تقديم شكوى حقيقية للجهات المختصة للمعاناة التي يسببها والتي يفرضها الطرف الفرضي المقابل، فهذه المساعي الآتية من اهل الخير تصطدم بالعقلية الجاهلية والعقلية المتخلفة وربما تعود الى العصر الحجري.
فهكذا تصرف لا مسؤول ولا عقلاني حيث لا يرى بمقاس حتى أرنبة أنفه ويجعل الامر اكثر صعوبة واكثر تعقيدا بحيث يضع العصا في دواليب ومساعي اهل الخير الساعين الباذلين كل جهد لارساء قواعد السلم والامان والتي نحن كمجتمع بأسره بحاجة ماسة له، ولكي تخيم هذه الاجواء الدافئة على كافة ابناء شعبنا بأسره.
وعودة على ما بدأنا به، ان حاجتنا اي المجتمع العربي الملحة للثقافة الاجتماعية والسياسية لا تقل اهمية بالمطلق عن حاجة الجسم للماء والخبز، فهذا ما يتطلب وبجدية كبيرة العمل على تحقيقه. فأي انسان لا يمتلك ادنى شيء من الثقافة الاجتماعية يصبح جسدا بلا رأس وقد يتحول فيما بعد الى عبء ثقيل على المجتمع، فهذا الامر لكي يتسنى تحقيقه والعمل من اجله يتطلب من كافة مؤسساتنا في وسطنا العربي التعاون والتعاضد كي يصبح الحلم واقعا بالممارسة والتطبيق وان لا يبقى هذا حلما واضغاثا متراكمة مدفونة في اعماق صدورنا وعقولنا، وان لا يترك شارعنا للعابثين ولخفافيش الليل والظلام حسبما هو جار اليوم مع كل الاسف.
يقول أبو القاسم الشابي الشاعر العربي في مطلع قصيدته:
"اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدرُ"
ومقتطفات اخرى من نفس القصيدة حيث يقول :
"اذا ما طمحت الى غاية ركبت المنى ونسيت الحضر
ومن لا يحب صعود الجبال يعش ابد الدهر بين الحفر"
هذه الكلمات الرائعة نابعة من الصميم العربي الاصيل، فلماذا لا نأخذ بمثلها وبكل ما تعنيه ونأخذ بها سلوكا ونهجا ونشاطا لكي يترسخ هذا المعنى العربي الاصيل في وجداننا وفكرنا كشعب، وخاصة اقصد الجيل الصاعد هذه الاجيال الناشئة حيث النسبة الكبيرة منها لا تجد حضنا اسريا دافئا .
ففي هذه الحال تصبح الطريق لهؤلاء الاعزاء فلذات اكبادنا معبدة ومهيأة للخروج الى عالم مجهول وقد تكون له اقصر الطرق حيث يلجأ اليها بسبب الجهل واليأس والتسكع وملحقاته القاتلة المعروفة للجميع.
اذًا الثقافة الاجتماعية هي عنصر اساسي من مكونات الشعب، فأين نحن منها اقصد العرب، وهل نستفيق قبل ان يجرفنا تسونامي الجهل والضياع..؟
(دير حنا)
