**بمرور أربعين يومًا على وفاة الرفيقة والصديقة آمنة حامد، أم يوسف دخيل الحامد*
فارقتِنا يا عزيزتي بعد أن أديت واجبك تجاه عائلتك وحزبك وشعبك وتجاه حركة النساء الديمقراطيات على أكمل وجه.
لن ننساك ولن ننسى ابتسامتك وهدوءك. كنت رفيقة وصديقة ونشيطة الى أن تقاعدت لأسباب صحية. لن ننسى ملقاك ومحياك اللطيفين وترحيبك بكلمة أهلا رفيقات التي كنت تعبرين فيها عن مدى علاقتك الوثيقة بالحزب وبحركتنا حركة النساء الديمقراطيات التي كنت من مؤسساتها.
حزنت كثيرا لدى سماعي بوفاتك لأنني لم أستطع أن القي النظرة الأخيرة لوداعك بسبب عدم تمكني صحيا من حضور جنازتك، ولكن ما عزاني أنني التقيتك وجلست معك أكثر من أربع ساعات قبل مرضك الأخير اذ جئت اليك مع احدى الصديقات اللواتي اردن الكتابة عن حركة النساء الديمقراطيات ومؤسساتها منذ 1948 ونشاطهن حتى الآن.
لقد أبدعت في الحديث والسرد عن نضال النساء ومنهن أنت ذاكرتك القوية وثقتك بنفسك ساعداك بأن تتغلبي على العياء والمرض. حدثتنا عن الأوضاع الصعبة في زمن الانتداب وملاحقة حكومة الانجليز للشيوعيين والديمقراطيين وعن الفقر وقلة الأشغال.
حدثتنا عن جيش الإنقاذ الذي انتشر في البلد بزعم الدفاع عنا وكيف سجن الشيوعون المخلصون الذين نادوا وايدوا قرار التقسيم وقلت بكلماتك البسيطة "يا ريتنا ردينا على الشيوعيين وقبلنا قرار التقسيم".
حدثتنا عن يوم النكبة، عن احتلال الناصرة كيف دخل الجيش بوحشية الى الحي الشرقي وجمع الرجال وأمرهم بالجلوس على الارض في الجابية وكيف جمع النساء وأمرهن بالجلوس في الناحية المقابلة وكيف دخلوا البيوت. لم يهمهم لا طفل و امرأة ولا شيخ دخلوا ينبشون البيوت باثاثها بفراشها ومؤنها، سألنا حينئذ أين جيش الانقاذ الذي جاء ليدافع عنا. وقالت لقد هرب جيش الانقاذ.
أما نحن الذين كان لنا علاقة بالحزب الشيوعي وعرفنا المؤامرة بارادة المحتلين بترحيلنا وقفنا ومنعنا النساء اللواتي كان بنيتهن الرحيل، منعناهن من الرحيل ومن ترك بيوتهن.
حدثتنا عن الحكم العسكري ومنع الرجال من الذهاب الى العمل لكسب قوتهم وقوت أطفالهم كما حدثتنا عن معركة محاولة ترحيل أهالي الحي الشرقي في أوائل سنة 1949 عندما هاجم الجيش أهالي الحي واخذوا الرجال الى المسكوبية بقصد سجنهم وترحيلهم، كيف ترك النساء يهمن على وجوههن مع أطفالهن. وقد قلت انك كنت مع أعضاء جمعية النهضة النسائية (التي هي الآن حركة النساء الديمقراطيات) جمعنا النساء قسما في الجابية وقسما في ساحة بيت يوسف صباغ وبعد أن قدمنا لهن ولأطفالهن الطعام، أخذناهن الى المسكوبية بمظاهرة حيث كان الرجال، وكنا نهتف مطالبين باطلاق سراح رجالنا وعندما بدأ الجيش يطردنا لم نتحرك من أماكننا وأصررنا على التظاهر والمطالبة باطلاق سراح الرجال. فما كان من الجيش والشرطة الا أن زجوا الرجال بالشاحنات بنية طردهم، ولكنا لم نسمح لهم اذ اننا رمينا بانفسنا على الارض ونمنا امام الشاحنات لنحمي رجالنا من الرحيل وهكذا بقينا طوال النهار كلما كانت الشاحنات المحملة بالرجال تقترب من البوابة كنا ننام على الارض أمامها، هكذا لم نسمح لهم فما ارادوا.
حدثتنا عن معركة سنة 1958 عندما ارادوا منعنا من التظاهر في الأول من أيار كيف كانت النساء تشارك بحماية الشباب من الجيش، ساهمنا في مناولة الشباب الحجارة والبصل لمنع تأثير الغاز على المتظاهرين، كذلك الأمر عن معارك يوم الأرض وكل المعارك لتي خاضها شعبنا للبقاء في بلادنا.
لقد تحدثت كيف كانت هي وباقي الرفيقات يوزعن جريدة الإتحاد عندما كان يعتقل رفاقنا.
كانت آمنة ام يوسف نشيطة في حركة النساء الديمقراطيات منذ نشأتها واظبت على حضور الحلقات والاجتماعات الاسبوعية. وكانت تجمع النساء في بيتها، وتصحبني في الزيارات ايام الدعاية الانتخابية وتصر على الدخول وزيارة كل بيت وتقول حتى ولو كانوا غير مناصرين لنا يجب أن نسمعهم كلمتنا وخطنا لأن ما نقوله نحن لن يسمعوه من غيرنا لأننا نحكي لهم عن أوضاعنا الصعبة ويجب علينا أن نغير هذه الاوضاع.
كانت تحمل المناشير وبطاقات يوم المرأة العالمي ويوم الطفل العالمي وتوزعها، عندما كنا نعلن عن تحضير البازارات ندخل من بيت الى بيت لجمع التبرعات وتبيع التذاكر للبرامج وتدعو للمشاركة في كل نشاط تقوم به حركة النساء الديمقراطيات.
لن ننسى كيف كانت تأتي الى المظاهرات وبرفقتها عدد من النساء من أقاربها أو من جاراتها ومعارفها. ولم ننس كيف كانت تشارك في الاضرابات والاعتصامات أمام مكتب الحاكم العسكري للمطالبة بالغاء الحكم العسكري، والمطالبة بالعمل أو في المظاهرات أمام البلدية للاحتجاج على قطع المياه أو المطالبة بتنظيف الشوارع، كانت أيضا من بين الذين قاموا بمظاهرة أمام البلدية سنة 1952 تضامنا مع عمال البلدية المضربين وعندها حبسنا رئيس البلدية داخل ساحة البلدية، وأحضر الشرطة لتفريقنا.
كذلك ساهمت أم يوسف في كل نشاط كانت تقوم به حركة النساء الديمقراطيات وسهرت على تنشيط ابنتيها زينب ونهلة في الشبية والحزب، فكانت نهلة خلفها في النشاط في حركة النساء الديمقراطيات.
لقد سهرت مع زوجها الرفيق خليل دخيل الحامد "أبو يوسف" على تربية عائلة شيوعية وأن يكونوا في القيادة كذلك أحفادها وحفيداتها، وهذا ما يعزينا بان الشيوعي لن يموت فقد يغيب عنا جسدا ولكن ذكراه تنبض بمن خلفه ويحمل خطه في حركة لا يمكن أن تموت.
سلام على روحك الطاهرة يا أم يوسف
لتبقَ ذكراك خالدة
وتعازينا الحارة لعائلتك مع تمنياتنا لهم بطول العمر والبقاء.
