أمر يُسعد كتاب الصحافة، وأنا أعد نفسي واحدًا منهم، في صورة من الصور، أن مبدعًا كبيرًا مثل جابرييل ماركيز يعتبر الصحافة أفضل مهنة في العالم، بل إنه يذهب إلى أكثر من ذلك، بما قد يثير حفيظة بعض النقاد حين يقول إنه يرى بأن الصحافة المكتوبة هي جنس أدبي شأنها في ذلك شأن بقية أجناس الأدب. والحق أن من يقرأ ماركيز في مقالاته بوسعه أن يدرك مغزى ما يقول.
الناس تقرأ وتحب روايات ماركيز، لأن صيتها هو الذي ذاع في العالم كله، خاصة بعد أن نال جائزة نوبل للآداب في بدايات الثمانينات في القرن الماضي، ومع أن مقالاته التي جمع العديد منها في كتب، بعضها صدرت له ترجمات بالعربية، لم تحظ بالصيت الذي حظيت به رواياته، لكن من يقرأها سيشعر أنه يقرأ أدبًا شائقًا، حرًا من الصورة الرائجة عن الكتابة الصحفية بأنها ركيكة وسطحية، وما إلى ذلك من أوصاف تحط من شأنها.
يأخذ ماركيز على إحدى الجامعات في بلده كولومبيا إجابتها على سؤال وُجه إليها عن الاختبارات التي تجرى للراغبين في دراسة الصحافة لمعرفة مدى أهليّتهم وموهبتهم لولوج هذا الحقل، أنها أجابت بالقول "إن الصحفيين ليسوا فنانين"، ما يعني، برأيه، أن الأساتذة أنفسهم لا يعرفون القيمة الأدبية للصحافة، وانتقل فهمهم القاصر هذا إلى الطلبة أنفسهم، الذين أخفقوا في التحديد الدقيق للأسباب التي دفعتهم لاختيار الصحافة تخصصًا للدراسة، ومن ثم مهنة لهم.
أحد الطلبة المتقدمين للقبول قال إنه اختار الصحافة لأنه شعر بأن وسائل الاتصال تخفي أكثر مما تظهر، وآخر قال: لأن الصحافة أفضل طريق للسياسة. واحد فقط عزا اختياره إلى أن شغفه بأن يخبر يفوق شغفه بأن يكون متلقيًا للمعلومات.
"الصحافة يتم تعلمها بممارستها"، هذا ما يجزم به جابرييل ماركيز، فشهادات التخرج والبطاقات الصحفية ليست هي الهدف النهائي، وإنما العودة إلى نظام التعليم الأولي من خلال ورش عملية في جماعات صغيرة، مع استفادة نقدية من التجارب التاريخية في إطارها العام، كخدمة عامة. لذا فإنه على وسائل الاتصال، من وجهة نظره ومن أجل مصلحتها الخاصة، أن تساهم بعمق في تجارب مماثلة مثلما يفعلون في أوروبا، سواء في قاعات تحريرها أو حتى في مطابعها.
مضت عقود على أقوال ماركيز هذه، قبل أن تمر الصحافة المكتوبة، أو فلنقل الورقية، بالتحديات الجديدة وغير المسبوقة التي تطرحها وسائل الاتصال الحديثة المحمولة على شبكة الإنترنت، والتي تتطلب معالجات جديدة لم تخطر في بال ماركيز حينها، ولكن تغيّر الوعاء الصحفي من الورق إلى الفضاء الإلكتروني لا يعني أن شروط تأهيل الصحفيين وتملكهم لفهم صحيح لدور الصحافة، مهنيًا وأخلاقيًا، قد قلّت عما كانت عليه، بل بالعكس فلعلّها ازدادت في ظروف اليوم.
