هشاشة السلام

single

تبعًا لما يقوله أحد أبرز المؤرخين في عصرنا ويل ديورانت، فإن السلام كان ضيفًا خفيفًا على هذه الأرض منذ أول صراع بين هابيل وقابيل، وأن ما كان يطلق عليه السلام لم يكن في حقيقته غير استراحة محارب أو هدنة يتم فيها شحذ الأسلحة وإعادة التخطيط، والسلام ليس نقيضًا للحرب، لأنه أيضًا حرب لكن بأساليب وأسلحة مختلفة، والتنافس بين الشعوب على تحقيق منجزات علمية وحضارية لا يتوقف، ولا يعرف البطالة، لكن تعريف السلام يعاني شأن غيره من المفاهيم الكبرى في التاريخ من التباسات، لأنه إن لم يكن متكافئًا يبقى ملغومًا بانتظار الثأر، وقد يكون التعريف النازي للسلام هو الأغرب في التاريخ، لأن النازيين اعتبروا الحرب الشاملة والمدمرة أقصر طريق لتحقيق السلام، لهذا فإن سلامتهم هو المعادل الموضوعي لإبادة الخصم.
وما عاشته أوروبا من حروب بعضها دام قرنًا وبعضها سبعة عقود انتهى إلى مقايضات سياسية وتفاهمات، رغم أن ما ترسب من حساسية لدى الأوروبيين وبالتحديد الألمان والفرنسيون يطفو أحيانًا على السطح سواء من خلال مباريات رياضية، أو عبر الصياغة للأناشيد الوطنية التي قال عنها كونديرا إنها تستطيل وتتضخم كلما صغرت الدولة والعكس صحيح.
وهشاشة السلام قد تذكر القارئ بما يسمى في المعجم الطبي هشاشة العظام حيث يصبح المصاب عاجزًا عن الحركة وشبه مشلول، والسلام الهش لا يحتاج إلى شيخوخة سياسية إنه نتاج اتفاقيات غير متكافئة فرض فيها القوي شروطه، وقبل الضعيف بهذه الشروط حفاظًا على ما تبقى.
ولكي يستحق السلام اسمه وتعريفه التاريخي الدقيق يجب أن يكون شاملًا، ولا يشكو من نقصان العدالة كي لا يبقى مهددًا عندما يختل ميزان القوى.
هشاشة السلام أنكى من هشاشة العظام وأية هشاشة أخرى لأنها لا تشكل ضمانة يمكن الركون إليها، والحدود فيها مرسومة بالطباشير أو الفحم فقط.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مسمار آخر في نعش دولة الرّفاه

featured

سوريا .. "إذا صاحت الدجاجة كالديك فالوضع لا يبشر بالخير"

featured

أحلم بعرس الوحدة الفلسطينية

featured

السلام والسيادة والحرية لليمن!

featured

المطلوب فلسطينيا واسرائيليا...!

featured

شجاعة القرارين

featured

غولية المرشقة!

featured

هل ستنفّذ "فتح" توصية الرئيس