لا استحدث كلامًا، ولا نصوصا، إذا قلت شهادة اعتراف وإقرار، ان شخصية القائد الشيوعي الرفيق نمر مرقس الذي فقدناه قبل أيام قليلة، هي شخصية قل مثيلها في الدقة والتوجيه وفن قيادة العمل السياسي والجماهيري. ولذلك عرفناه شيوعيًا ليس قائدًا سياسيًا فقط، وإنما إنسانًا موهوبا ذا قدرة وطاقة كبيرتين على الإقناع والمحاورة، ويتمتع بصفة السلوك الدبلوماسي والتكتيك المرحلي والبعيد، دون التنازل عن شيء سواء عن هيبة الحزب العليا حتى الخلية الحزبية ومبدأ التمسك بالقرارات والأهداف المرجوة.
كثيرة هي صفات ومزايا هذا القائد الشيوعي الفذ. واستطيع ان أقول انه كان قائدًا من نوع آخر جديد، لم تعرفه مناطق الحزب وفروعه. وإذ كنت اكتب عن شخصية نمر مرقس فهذا يعود لأسباب كثيرة على سبيل المثال لا الحصر، انني عملت معه في الكثير من المواضيع والأعمال والمسؤوليات الحزبية في ثمانينيات القرن المنصرم، وهو في جيل متقدم كان يولي اهتماما خاصا وبإصغاء مرهف في بلورة فكرة أو رأي أو معالجة لكيفية تطور وتقدم الشبيبة الشيوعية الحرس الفتي للحزب الشيوعي في هذه البلاد. إذ كنا نرتبط بمواعيد وأيام وعلى حساب راحته وعائلته وخاصة أيام الجمعة والأحد والعطلة الأسبوعية للسلطة المحلية في كفرياسيف الذي كان يقف على رأسها طيلة عشرين عامًا. كنا نقضي بضع ساعات للنقاش والحوار في استنباط أكثر الطرق للوصول إلى جمهور الشباب والسهر على تربيته وتثقيفه واستيعابه ليكون حارسًا أمينًا ومكملا لطريق الحزب.
* لم يساوم
إن فقدان قائد هو أمر في غاية الصعوبة فإذا كان ذا خصوصية ومن نوعية صلبة ومن طينة مختلفة مجربة لاذعة لا تساوم ولا تتهاون، فان نمر مرقس هو واحد من هذه القيادات التي يمتلكها الحزب وتعرف حق المعرفة، كم كان الحزب وفي الظروف والسنوات التي مرت عليه، بدءًا من أحداث كفرياسيف - جولس المأساوية ومؤامرة السلطة في حينه لضرب نمر مرقس شخصيًا كواحد من الرؤساء القلائل في سنوات الثمانينيات من القرن المنصرم، بهدف ضرب العقل الإداري الوطني والسياسي ومحراك الكفاح لهذا الإطار النضالي، ضد سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري التي تنتهجها كل حكومات إسرائيل. وكان المخطط في حينه ضرب القلعة الشيوعية الحصينة كفرياسيف إحدى أعمدة الحزب الشيوعي الكفاحية في منطقة عكا والجليل الغربي.
وفي خضم الأحداث، برز دوره كقائد شيوعي من نوع آخر. لم يستجب للسلطة وعكاكيزها. لم يساوم ولم يهرب وإنما حمّل سلطة الاضطهاد كامل المسؤولية عن ما جرى بين القريتين الجارتين. ولهذا افشل أبو نرجس مع الشيوعيين الكفارسة وغيرهم من الناس الوطنيين الصادقين والشيوعيين من قرى الجليل الغربي، ما خُطط لكفر ياسيف وله شخصيًا من خراب ودمار ومؤامرات كانت تستهدف جماهيرنا كجزء من معركة الترحيل والتشريد مرة أخرى.
لم تؤثر الانهيارات وزوال المعسكر الاشتراكي الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية على شخصية القائد الشيوعي نمر مرقس، وهذا يعود إلى العمق الماركسي – اللينيني والفكر الثوري وجدلية النظرية وسعة اطلاعه وتفسيره وتحليله للأمور بأسلوب علمي شيّق ومدروس، لم ينهر هذا القائد نمر مرقس ولم يخنع مثلما انهار بعض القيادات المزاجية سواء في الحركة الشيوعية أو بين جماهيرنا العربية والعالم العربي. كان يؤمن حتى العظم، بقوة وجبروت حركة الطبقة العاملة طليعة النضال ضد الرأسمالية، ولهذا سعى هذا القائد / الفارس طوال حياته الزاخرة والمليئة بالكفاح والتجارب والممارسة بالعمل مع الظلومين، إذ زرع روح التحدي والتضحية في كل الميادين لتحسين ظروف معيشة العمال والمسحوقين وتحقيق ونيل مطالبهم وحقوقهم السياسية والمطالب الاجتماعية وغيرها مرتبطة بالانخراط في تنظيم كفاحي منظم من خلال الانتساب إلى تنظيم الشيوعيين، وهذا التنظيم الماركسي – اللينيني هو الوحيد القادر على تنظيم العمال وسائر الكادحين وكل متضرري الرأسمالية والامبريالية على كسر القيد والسلاسل، وبناء مجتمع العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.. وعلى مثل ذلك من القيم والأفكار والمبادئ تثقف وأنار الطريق وقدم وكتب الكثير.. نمر مرقس الذي ظل طوال حياته المعطاءة وفيًا أمينًا حارسًا للقيم والمبادئ وقد زرعها في عقول الآخرين.
لم أكن اعرف ان يوم 2/1/2013 هو لقاؤنا الأخير في بيته العامر حين علمت من رفيقة دربه وحياته أم نرجس انه يعاني من وعكة صحية ألمت به مؤخرًا. قال لي هل يوجد شيء جديد، قلت حان موعد تجديد اشتراك الاتحاد، قال اني جاهز وقد أعطى بكرم بعدما أعطى في السنة المنصرمة الكثير في سبيل إيصال الاتحاد إلى الناس الفقراء الذين يرغبون بقراءة الاتحاد ولكن لا يملكون. تحادثنا لمدة غير طويلة عن هموم الحياة والحياة الحزبية، وكيفية التغلب وطرح البديل لمواطن الضعف في مجمل عملنا وتطوير آليات جديدة للعمل، وتقوية النظم والمستوى السياسي والفكري الشرطين الأساسيين وغيرهم لبناء وتطوير حزب من نوع يلائم المرحلة الكفاحية الحالية، بما يتوافق مع الظروف العالمية التي نمر بها. ولهذا تمتع الرفيق نمر مرقس برهافة وصفاء الذهن وأفق بعيد. كان يصغي للآخرين بانتباه شديد ويشير إلى الخطأ والصواب ويطرح البدائل والأسلوب للوصول إلى الأهداف المرجوة. كما تمتع أبو نرجس بقدرات وخبرات وتجارب هائلة في التحدي والمقارعة والمناورة. كانت أجمل سنوات حياته الكفاحية هي تلك السنوات التي شكلت انهيار الحكم العسكري وبناء فروع للحزب والشبيبة الشيوعية في أغلبية قرى منطقة عكا والجليل الأسفل والغربي. لقد قهر الشيوعي نمر مرقس سياسة التجهيل العربية القومية ومشوار الرحيل والتشرد التي مارستها الحكومة الاضطهادية بحق الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها. ولهذا سعى وكان همه الأول والوحيد في سنوات الخمسين على تثبيت وتوعية وترسيخ البقية البتقية في أرضها ووطنها الذي ليس لها وطن سواه.
الشيوعي الأصيل نمر مرقس يعتبر موسوعة علمية وثقافية، وملحمة كفاحية زاخرة بالتجارب والممارسة العملية المجبولة بالعرق والإرادة والحكمة مع بسطاء الناس والجماهير الشعبية التي أحبته ورأت فيه شخصيا الإنسان والسند بل الصخرة التي تستند عليها جماهير الشعب ولهذا سمي الشيوعي نمر مرقس في أدبيات الجماهير الكادحة والواسعة من كفرياسيف إلى برطعة بالإنسان ونال بشرف اللقب الطبقي "أبو الفقراء" لأنه كان نصير الفقراء والمحتاجين أفرادًا وجماعات. وقدم كل ما يلزم في سبيل إنهاض الفقراء والشريحة المستضعفة والشعبية، كي تواصل مسيرة الكفاح والحياة ضد سلطة رأس المال المستغِلة وإجراء التغيير المنشود نحو الأفضل.
ترك لنا نمر مرقس وللأجيال القادمة تراثًا كفاحيًّا مليئًا بالتجارب والعبر، فبصماته محفورة على زوايا وجدران عديدة في مسيرة حزبنا نحو الشمس والغد المشرق لشعبنا والإنسانية.
لتبقَ ذكراك خالدة ومسيرتك تنير الطريق دومًا.
(كويكات/أبوسنان)
