من المسؤول عن مستوى التحصيل العلمي للطالب؟

single

*على الأسرة عدم مقارنة تحصيل الطالب بالآخرين إنما مقارنته بنفسه أي مستوى تحصيله في فترات مختلفة، والعمل على تقوية نقاط الضعف وتعزيز نقاط القوة لديه؛ والأخذ بالاعتبار قدراته وميوله ومهاراته الشخصية فكل فرد يتمتع بذكاء خاص به*


يحظى موضوع التفوق في التحصيل الدراسي باهتمام كبير عالميا ومحليا، إذ يُعتبر معيارا أساسيا لمواصلة الدراسة والانتقال من مرحلة تعليمية إلى اخرى. اِن التحصيل العلمي بمستوياته المختلفة يتم في سياق نفسي واجتماعي تشترك الأسرة والمدرسة في بلورته وتشكيله بصفتهما وكيلين لعملية التهيئَة الاجتماعية، فقد يكون أحدهما أو كلاهما معا سببًا مباشرًا في تفوق الطالب أو ضعف تحصيله.
 وقد عُرِّف التحصيل العلمي: أنه قياس قدرة الطالب على استيعاب المواد الدراسية المقررة ومدى قدرته على تطبيقها من خلال وسائل قياس كالامتحانات بأشكالها المتعددة، وتتفاعل عوامل كثيرة في التأثير على مستوى التحصيل العلمي للطالب، منها عوامل تتعلق بالطالب نفسه مثل: قدراته العقلية، مفهوم الذات، إمكاناته واستعداداته، ومنها عوامل خارجية مثل: الأسرة، المدرسة: ثقافتها وإمكاناتها، المعلمون وأساليب التدريس التي يستخدمونها.
نتناول مفهوم الذات للفرد اذ يُعتبر حجر الاساس في بناء شخصية الإنسان، فهو مُركب ينطوي على مكونات عديدة، نفسية ومعرفية، اجتماعية وأخلاقية. فمفهوم الذات هو الشخص كما يرى نفسه، قدراته واستعداداته، رؤيته وفكره عن التعلم والتحصيل، ومفهوم الذات يقوم بتحديد شخصية الفرد وتوجيه سلوكه. وقد أثبتت الدراسات وجود علاقة متبادلة بين مفهوم الذات الايجابي والتحصيل العلمي العالي، فمفهوم الذات الايجابي يُسهم في تنمية الثقة بالنفس، التوافق والانسجام النفسي والاجتماعي والسلوكي نحو المدرسة والتعليم وبالتالي يؤدي إلى تحصيل عال، أما مفهوم الذات السلبي فيسبب مشاعر الإحباط والكراهية ويؤدي إلى تدنِّي التحصيل وأحيانا الفشل.
وتتحمل الأسرة دورا اساسيا في تشكيل شخصية الفرد ومفهومه عن ذاته ويبدأ مفهوم الذات في التكون تدريجيا من السنة الاولى لعمر الطفل ثم ينمو من خلال عمليات النضج والتعلم والتنشئة اذ يُعد الفرد نتاجا للعلاقة بينه وبين أسرته وتفاعله معهم، وتؤثر اتجاهات الوالدين: أفكارهم وعقائدهم وسلوكهم على تكوين مفهوم الذات لدى الفرد، ولكي نُكسب الفرد مفهومًا ذاتيًا ايجابيًا يدفع التحصيل العلمي يجب ان تتصف اتجاهات الوالدين بالايجابية في التوجهات السلوكية الحياتية المختلفة التي تعمل على اثارة الدافعية وتحفيز الابن على الانجاز والتحصيل العالي.
ولكن ما يحدث في الواقع هو أن الاهل يمارسون الضغوطات على ابنائهم للحصول على العلامة الاعلى مقارنة بأقرانهم وأقاربهم وهذا يؤثر سلبا على التطور النفسي، الاجتماعي والصحي للطفل اذ يُدخله في دائرة التنافس التي تُسبب القلق والخوف من التحصيل المنخفض مقارنة بالآخرين وقد ثبت علميا وجود علاقة سلبية بين القلق والخوف وبين التحصيل العلمي، فكلما كان مستوى القلق عاليا كانت العلامات منخفضة والعكس صحيح .
 لذلك يتحتم على الأسرة عدم مقارنة تحصيل الطالب بالآخرين إنما مقارنته بنفسه أي مستوى تحصيله في فترات مختلفة، والعمل على تقوية نقاط الضعف وتعزيز نقاط القوة لديه. أيضا ان تكون توقعات الأسرة واقعية ولا يكون سقف مطالبها أعلى بكثير من إمكانيات الطالب، والأخذ بالاعتبار قدراته العقلية وميوله ومهاراته الشخصية فكل فرد يتمتع بذكاء خاص به وحده يُميزه عن الآخرين.
وهذا ما أشار إليه (جاردنر، 1983) في نظريته "الذكاء المتعدد" والتي أكدت وجود العديد من القدرات العقلية المستقلة لدى كل فرد ولكل منها خصائصها وسماتها الخاصة كما يمكن زيادة هذا الذكاء وتنميته بالتدريب والتعلم بعكس الذكاء التقليدي " IQ" الموجود لدى الفرد بكمية ثابتة ومحددة لا تتغير.
وقد صنف جاردنر أنواع الذكاء إلى: الذكاء الاجتماعي، الحركي/الجسمي، الرياضي/المنطقي،الذكاء الذاتي، الذكاء اللغوي، والذكاء الموسيقي.. وهذا التنوع في الذكاء والقدرات أدى الى تنوع الوظائف والمراكز الاجتماعية مثل الطبيب، المعلم ولاعب الكرة...
  كان لهذه النظرية الأثر الأكبر في عملية التعلم والتعليم حيث غيرت مفاهيم كثيرة كانت من البديهيات وأهمها اعتبار التفوق ليس بالضرورة أن يكون بالمناهج والمواضيع الدراسية بل يمكن أن يكون في مهارات أخرى، وهذا ما حدا بالأنظمة التعليمية الاوروبية بتبني هذه النظرية في مناهجها وسياستها التربوية مقارنة بالنظام التعليمي العربي التقليدي الذي وبالرغم من اننا نشهد محاولات التجديد والتحديث إلا انه ما تزال مناهجه وأساليب التدريس المتبعة وأهدافه تعتمد على الحفظ والتلقين والامتحانات كمقياس أساسي للتفوق، كما تركز المناهج على تطوير جانبين من ذكاء الإنسان (اللغوي و الرياضي) وتهمل باقي الذكاءات كالذكاء الموسيقي- البصري المكاني- الشخصي والاجتماعي.
 لذلك على المؤسسات التعليمية بصفتها شريكًا للأسرة في المسؤولية التحديث في مناهجها والسعي لتبني هذه النظرية (تعدد الذكاء) في نظمها ومناهجها التعليمية المتنوعة، كما تعمل على تأهيل المعلمين لاكتساب مهارات اكتشاف قدرات وميول وحاجات الطالب ونوع الذكاء الذي يتمتعون به مما يساعدهم على وضع الاستراتيجيات التدريسية التي تستند على النظريات التعليمية واستخدامها بما يحقق أقصى استفادة ممكنة للمتعلمين.
بناءً على ما تقدم يمكن القول بان التحصيل العلمي هو مسؤولية مشتركة وليست فردية، والذكاء هو مجموعة من المهارات تمكن الفرد من حل المشكلات والقدرة على إنتاج شيء ذي قيمة في ثقافة المجتمع فالذكاء هو من نعم الله سبحانه وتعالى وذلك لكي يُسهم كل فرد من موقعه ومركزه في بناء وتكامل وتناغم الكون.
(يتبع - استراتيجيات لزيادة التحصيل العلمي)



(عرابة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لنغلق هذه الدائرة

featured

سيشكركم اليمين على حسن تعاونكم!

featured

تشتُّت الخارطة السياسية الإسرائيلية،عوامل وتأثيرات (1- 5)

featured

إلى متى سنبقى كالخرفان..؟؟!!

featured

الأيدي النّظيفة

featured

فضيحة الشرطة العنصرية

featured

شبح يجول في الشرق