لنغلق هذه الدائرة

single

*تم وصف العرب بأنهم "لا يضيّعون فرصة لإضاعة الفرص". اليوم، وبشكل عبثي، أصبح العرب منتجي فرص: إعلان الاستقلال الفلسطيني، المبادرة السعودية، قرارات القمة العربية وغيرها..*


في أيام أيلول هذه، عشية الإعلان المرتقب عن الدولة الفلسطينية، حيث يحوم تفاؤل تحيطه التهديدات، عاد إلى ذاكرتي فحوى قصاصة جريدة قديمة، قابعة بأمان في أرشيفي الآخذ بالاصفرار. في الثالث عشر من تموز 2000 نشرت جريدة "هآرتس"، رسالة القارئ نفتالي راز؛ رسالة يضج فيها صوت الألم الأبكم أكثر من ألف صرخة.  
يستعرض القارئ راز، من وجهة نظره، تاريخ عائلته المتقاطع مع تاريخ الصراع. وبهدوء صاخب، يتلو قصص أقاربه وأعزائه الذين قتلوا منذ العام 48. في نهاية عرضه المنضبط، يتوجه باسم الضحايا إلى أيهود براك، رئيس الحكومة الذي كان في طريقه آنذاك إلى كامب ديفيد، لكي يعمل من أجل استكمال السلام.
في التاسع عشر من تشرين الثاني 1974، صعد ياسر عرفات للمرة الأولى على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة. يومها توّجت جريدة "الاتحاد" صفحتها الأولى بالعنوان "فلسطين تعود إلى الوجود". تم في الناصرة توزيع الكنافة، وأنا ابن الصف العاشر، آنذاك، دعوت أصدقائي للبيت لنحتفل بالحدث. كانت فلسطين وما زالت الجرح النازف في جسد الأمة العربية. "عارنا في فلسطين" كتب المثقفون العرب، حين لم يكن باستطاعتهم مدّ يد العون لشعب طُردت غالبيته من الوطن. وكتب الشاعر العراقي مظفر النواب متألمًا: "أصبحنا يهود التاريخ".
أصبحت المعاناة الفلسطينية رمزًا، حتى بالنسبة لأولئك المناضلين من أجل الديمقراطية والعدل الاجتماعي. "بين الحلم واليقظة، تماوج وجه فلسطين هذه المتكبرة الثاكل التي تحضر حين يعذب غريب"، تأوه النواب، الذي عُذّب بوحشية في فترة حكم البعث العراقي. ورفع العديد من المثقفين الشعار: "الطريق إلى القدس تمر في عواصم الدول العربية".
الطموح لبناء البيت القومي الفلسطيني، أيقظ أجمل ما في صدور خيرة الشعراء والأدباء العرب. كتب نزار قباني: "مهما هم تأخروا فإنهم يأتون. في حبة الحنطة أو في حبة الليمون. من حزننا الجميل يولدون. باقات ورد وأغصان زيتون". وفي الأول من كانون الثاني عام 1965، عندما تم تأسيس حركة "فتح"، التي رمزت إلى الانبعاث السياسي القومي للشعب الفلسطيني، غنت فيروز أغنيتها الشهيرة "جسر العودة" عن حركة "فتح" التي ولدت، "في ليلة عتم ابيض كالأولى في الميلاد". 
وإلى جانب ذلك، انتشرت السوداوية بين العرب. وأكثر من ذلك فقد تم وصف العرب بأنهم "لا يضيّعون فرصة لإضاعة الفرص". اليوم، وبشكل عبثي، فقد أصبح العرب منتجي فرص: إعلان الاستقلال الفلسطيني، المبادرة السعودية، قرارات القمة العربية وغيرها.
في العام 2000 وعد إيهود براك، بأنه سينهي النزاع ابن المئة عام خلال مئة يوم. ولكن لدى وصوله واشنطن غيّر مهنته، من مهنة "قالب الحجارة" تفتيشًا عن السلام، كما وعد، إلى مهنة أخرى وهي مهنة نزع الأقنعة، وهكذا وُلدت النظرية التي ملخصها "لا يوجد شريك في الطرف الآخر". اليوم يتم نزع القناع عن قيادة الدولة التي "أعلنت الحداد"، بسبب رفض العرب قرار التقسيم وإقامة دولتهم المستقلة في عام 48.. فعندما يأتي العرب اليوم بمبادرتهم للاعتراف بهذه الدولة بموجب قرارات الأمم المتحدة، تثير الحكومة الإسرائيلية أجواء حرب. اليوم هنالك فرصة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة.
ونعود للبداية، فما هي العلاقة بين رسالة القارئ راز وبين ما سردته هنا؟ ربما هي التداعيات. وربما هي الدوائر التي عندما يتم فتحها ترفض أن تُغلق. يقول الفلاحون الفلسطينيون "كل ما طالت بتلم غمار". ولكن في حالتنا، كلما اتسعت الدائرة، يسقط المزيد من الضحايا. لذلك، ليس فقط باسم الضحايا، بل باسم الأحياء أيضًا، يجب إغلاق هذه الدائرة.


(نُشر المقال بالعبرية، أيضًا، في صحيفة "هآرتس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأورفيزيون كمرآة للسياسة

featured

طَرَبُنا وطربهم

featured

هل تكسّرت بوصلة الحجيج بعد هذه الثورات

featured

"ميني" حلة حكم

featured

الغربلة المطلوبة

featured

تمرين الرعب المسيّس

featured

إمتحان وزارة المعارف

featured

الاحتلال يرفض تعويض عائلة دوابشة