دار في الأسابيع الأخيرة نقاشٌ حامي الوطيس، حول امتحان اللغة العربية الذي من المزمع إجراؤه يوم بعد غد الثلاثاء (22 حزيران)، للمرشحين للالتحاق بسلك التعليم العربي، بين مؤيد ومعارض، ومتحفظ ومتسائل (أنظروا "الاتحاد"، عدد أول أمس 18 حزيران).
فمنذ عشرات السنين ونحن نتهم المؤسسة الحاكمة – وبحق طبعًا – بانتهاج سياسة التجهيل وبث العدمية القومية في نفوس الطلاب والمعلمين العرب، ومسخ وتشويه لغتنا العربية. ومنذ عشرات السنين ونحن نناضل كي لا يكون العربي الفلسطيني "غريب اليد والوجه واللسان" في وطنه.
وأحد سبل رفع مكانة اللغة العربية في المجتمع عمومًا وفي جهاز التربية والتعليم خصوصًا، هو رفع مستوى التعليم والمعلمين في لغتهم الأم، ذلك أنّ أبحاثًا عدّة كانت أظهرت العلاقة الطردية بين التمكّن اللغوي والتحصيل العلمي. ومن هنا فإنّ إجراء امتحان كهذا يلبّي جزءًا، ولو يسيرًا، من مطلب صحيح ومنطقي.
إلا أنّ السياسة العامة لوزارة المعارف، والاغتراب وعدم الثقة المبرّرين عنها وفيها، والتجارب السابقة، كلها تؤدي إلى فرضية فورية وكأنّنا في إزاء "نظرية مؤامرة". ولهذا بالذات علينا توخّي الحذر، لئلا نرفض ثمار نضالنا لمجرّد أن السلطة استجابت لها. لكن هذا لا يغني عن طرح التالي:
1. أنّه لم يسبق القرار مشاورات كافية مع الجهات المهنية العربية ذات الصلة، لا سيما لجنة متابعة قضايا التعليم العربي، وكذلك الأمر بخصوص تركيبة الامتحان وأهدافه وأسلوبه؛
2. أنّ توقيت إعلان هذا الامتحان وأسلوب فرضه فيهما شيءٌ من الظلم للخرّيجين، كما أنه يفتح الباب أمام دورات تحضيرية قد يغلب عليها الارتجال والنزعة التجارية؛
3. أنّ هذا الامتحان يستثني ما يسمى "الوسطين الدرزي والبدوي"، وبالتالي يكرّس سياسة فرق تسد التاريخية التي نرفضها جملة وتفصيلا؛
4. أنّ حقيقة وجود سبعة آلاف متنافس/ة على أربعمائة وظيفة هي مشكلة لا يمكن حلها بامتحان هنا أو هناك، بل بزيادة الملاكات من جهة، وبوقف تسليع تأهيل المعلمين من جهة ثانية، وبترشيد ومهننة سياسات التعيين المحلية والقطرية من جهة ثالثة؛
5. أنّ النهوض بمكانة اللغة العربية في جهاز التربية والتعليم يتطلب تخصيص جهود وموارد كبيرة، وشمولية، ومستديمة، لا تقتصر على تصنيف الملتحقين الجدد بالجهاز ولا على المعلمين فقط، بل على العملية التربوية برمّتها؛
6. أنّ تغيير حالة الاغتراب في جهاز التربية والتعليم يستدعي تغييرات جوهرية وجذرية وليس موضعية فحسب؛ تغييرات في مبنى جهاز التعليم وأهداف التعليم ومناهج وكتب التدريس، وأيضًا في عملية تأهيل المعلمين التي تعاني من شتى صنوف الاستلاب "الأمنية" والفئوية والتجارية وغيرها.
خلاصة القول، إنّ وزارة المعارف أمام امتحان حقيقي؛ امتحان التجاوب الجدي مع طروحات ومطالب القيادات التربوية العربية، من أجل النهوض المنهجي والشامل والمتكامل بالتعليم العربي.
