في ذكرى وعد بلفور المشؤوم: المشروع الصهيوني كأداة للاستعمار والإمبريالية

single
صورة زنكوغرافية عن الوعد المشؤوم، ومظاهرة فلسطينية عام 1919 في القدس

 

"نعرف ما تتوقعونه منا، تريدون أن نكون حرس قناة السويس، علينا أن نكون حراس طريقكم إلى الهند عبر الشرق الأدنى، نحن على استعداد لأن نقوم بهذه الخدمة العسكرية ولكن من الضروري تمكيننا من أن نصبح قوة حتى نقدر على القيام بهذه المهمة"
(ماكس نوردو)

اليوم، الثاني من تشرين الثاني 2007 تصادف الذكرى السنوية الـ 90 لوعد بلفور المشؤوم الذي بمدلوله السياسي قصير وطويل الأمد شيّد المدماك الاساسي للنكبة الفلسطينية وللصراع الاسرائيلي- الفلسطيني- العربي الذي لا يزال الدم ينزف من شرايينه حتى يومنا هذا. فوعد بلفور عكس وجسد من حيث جوهره وابعاده – كما سنرى – حقيقتين اساسيتين: ان الصهيونية العالمية كحركة سياسية فكرية عنصرية تعتبر كحركة رجعية من افرازات انتقال الرأسمالية، من مرحلة السوق الحرة الى مرحلة الاحتكار والامبريالية. والحقيقة الثانية ان الصهيونية منذ نشأتها كربيبة للامبريالية ربطت موقفها ونشاطها بالتساوق مع المحاور الامبريالية الاستعمارية وخدمة المصالح الامبريالية ضد حركات التحرر القومي العربية والتقدم في منطقة الشرق الاوسط وعالميا. فالحركة الصهيونية منذ نشوئها ربطت مصيرها بالعجلة الامبريالية. ونرى من الاهمية بمكان الربط العضوي والجدلي بين وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو الاستعمارية التي قسمت "ورثة" الامبراطورية العثمانية بين الوحوش الاستعماريين "وأهمية" انشاء وطن قومي يهودي في فلسطين لخدمة المصالح الامبريالية.
اننا نتطرق الى هذا الموضوع اليوم لأن ما تواجهه منطقتنا وعالمنا من طابع همجي شرس للعولمة الرأسمالية ومن هجمة استراتيجية امبريالية امريكية للهيمنة عالميا واخضاع شعوب وبلدان العالم لخدمة مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية يستدعيان وقفة جدية مع جذور خلفية ما هو حاصل اليوم من مآس. فإذا كانت اتفاقية سايكس – بيكو ووعد بلفور قد مزقا اوصال البلدان العربية وأعادا اقتسامها بين الوحوش الاستعماريين، خاصة الاستعمارين البريطاني والفرنسي والتآمر على مصير فلسطين العربية فان ما نواجهه اليوم سايكس – بيكو اشد خطرا ومأساوية من سايكس بيكو 1916، فالاستراتيجية الامبريالية الامريكية الجديدة مبنية على تمزيق وتفكيك الوحدة الاقليمية والوطنية للبلدان الى دويلات ومحميات اثنية وطائفية ومذهبية كما يجري التآمر اليوم لتقسيم العراق المحتل والسودان والصومال وفلسطين المحتلة والعربية السعودية وتشاد واثيوبيا وغيرها. وفي اطار هذه الاستراتيجية العدوانية الامبريالية، وخاصة الامريكية، تشغل اسرائيل الرسمية مخلب القط الامبريالي ومخفره الامامي في الشرق الاوسط وخارجه.


 
* وعد بلفور – الخلفية والأهداف


إن وعد بلفور (بلفور اسم الوزير البريطاني الذي قدم الوعد باسم حكومته للحركة الصهيونية العالمية) – من حيث مدلوله السياسي قد عكس الرابطة العضوية في العلاقة المصلحية بين الاستعمار البريطاني وبعد معاهدة سايكس بيكو الذي وعد بالعمل على اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مقابل ان تقوم الحركة الصهيونية في فلسطين والعالم بخدمة المصالح الاستعمارية البريطانية، ضد حركات التحرر القومي العربية وضد قوى التقدم والشيوعية عالميا. لقد جاء نص الرسالة التي عرفت باسم وعد بلفور كما يلي:

" وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917

عزيزي اللورد روتشيلد،

يسرني جدا ان ابلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته.
ان حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية. على ان يفهم جليا انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان ينتقص من الحقوق المدنية او الدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق او الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتنّا اذا ما احطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح.

المخلص،

آرثر بلفور"

 


والحقيقة هي أن التآمر على فلسطين ومصير الشعب العربي الفلسطيني بين القوى الاستعمارية والصهيونية قد بدأت تبرز انيابه المفترسة قبل وعد بلفور. فرئيس وزراء بريطانيا لويد جورج في الفترة الاخيرة من الحرب العالمية الاولى يكتب في مؤلفه "الحقيقة حول معاهدة الصلح (لندن، المجلد الثاني ص 1115) "ان نوايا الدول الحليفة بشأن فلسطين حتى عام 1916 جسدها اتفاق سايكس بيكو بموجبه كانت البلاد ستشوّه وتمزق الى اقسام لا تبقي هناك فلسطين".
وفي كتابه الرائع عن الصهيونية يورد خالد الذكر المؤرخ والقائد الوطني الفلسطيني والشيوعي الدكتور اميل توما عن المعطيات المدعومة بالحقائق عن تطور العلاقات الاستراتيجية بين الصهيونية والاستعمار البريطاني إبان الحرب العالمية الاولى، وخاصة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية العجوز والرجل المريض على البوسفور واقتسام ورثتها من الأقاليم بين المحاور الاستعمارية. يكتب د. إميل توما "ما أن وضعت الحرب تركة الامبراطورية التركية على جدول الأعمال، حتى تقدم هربرت صموئيل الذي اشترك في الوزارة البريطانية في هذه الفترة وكان أول مندوب سامي بريطاني على فلسطين فيما بعد بمشروع يقوم على ضم في فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية وزرع ثلاثة أو أربعة ملايين يهودي فيها وبذلك يتحقق حلف بين الفريقين يخدم مصالح بريطانيا"!!
وبناء على ما جاء في كتاب لويد جورج (المصدر السابق) فقد استغلت الحركة الصهيونية العالمية وعد بلفور وقامت بالتنسيق مع المستعمرين بتوزيعه بآلاف النسخ بالطائرات على يهود روسيا القيصرية وبولونيا وألمانيا والنمسا – المجر "فقد اعتقدوا انهم بذلك يكسبون تأييد اليهود في روسيا ضد البلاشفة وفي دول المركز ضد حكوماتهم"!! وتحت عنوان "سياسة بريطانيا في فلسطين- ضرورة عبرية بريطانية" كتبت صحيفة "ساندي كرونيكل" البريطانية البرجوازية عشية صدور وعد بلفور المشؤوم ما يلي "ولا يوجد أي جنس آخر في العالم كله يستطيع ان يقوم بهذه الخدمات لنا غير اليهود أنفسهم.. ولدينا في الحركة الصهيونية القوة المحركة التي ستجعل امتداد الإمبراطورية البريطانية الى فلسطين - في غير هذه الحالة ضرورة غير مسرة - مصدر كبرياء، وركن قوة". اما صحيفة "ايفنغ ستاندر" البريطانية فقد اشارت ايضا الى انه "لقد اوضحت المصالح البريطانية منذ وقت طويل ضرورة قيام دولة حاجزة بين مصر وحكومة تركية معادية والصهيونية تزودنا بالحل".
وبعد صدور وعد بلفور في الثاني من شهر تشرين الثاني 1917 كتبت "غلاسكو هيرالد" تؤكد: "انه من وجهة النظر البريطانية فالدفاع عن قناة السويس يتم على افضل وجه باقامة شعب في فلسطين ملتصق بنا، واعادة اليهود الى فلسطين تحت الرعاية البريطانية يضمن ذلك"!
اما الصهيوني ماكس نوردو ففي خطاب القاه امام الساسة البريطانيين الكبار عام 1919 بحضور لويد جورج واللورد بلفور قال "نعرف ما تتوقعونه منا، تريدون ان نكون حرس قناة السويس، علينا ان نكون حراس طريقكم الى الهند عبر الشرق الادنى، نحن على استعداد لأن نقوم بهذه الخدمة العسكرية ولكن من الضروري تمكيننا من ان نصبح قوة حتى نقدر على القيام بهذه المهمة"(ماكس نوردو الى شعبه ص57).
مما تقدم من امثلة صارخة يتضح ان الدافع الاساسي والجوهري لصدور وعد بلفور هو المراهنة على ان البرنامج الصهيوني في فلسطين بامكانه توطيد وتعزيز مواقع الامبريالية البريطانية في الشرق الادنى، ضد حركة التحرر القومي العربية والعمل على اجهاضها.


 
* إسرائيل مخلب القط الامبريالي


ابرزنا فيما تقدم ان وعد بلفور جاء لخدمة المصالح الاستعمارية على المدى القصير والبعيد، وذلك من خلال اقامة كيان صهيوني يقوم بدور البلطجي العربيد والعدواني وخدمة المصالح الاستراتيجية الامبريالية في المنطقة. ولهذا فان لاسرائيل الرسمية مكانة هامة في اطار الاستراتيجية العدوانية الامبريالية في المنطقة وكونيا. فهي تشغل احد المخافر الامامية في استراتيجية العدوان الامريكية، فاسرائيل لم تكتف بارتكاب جريمة النكبة الفلسطينية وتشريد الشعب العربي الفلسطيني وتحويله الى شعب من اللاجئين خارج وطنه وداخل حدود وطنه وحرمان هذا الشعب من حقه الوطني والشرعي في الحرية والدولة والقدس والعودة حتى يومنا هذا، بل اضافة الى ذلك كانت اسرائيل بوز مدفع العدوان الامبريالي بشن الحروب الاستعمارية، ضد حركات التحرر الوطني العربية مثل العدوان الثلاثي على مصر جمال عبد الناصر بعد تأميمه لقناة السويس واتباع سياسة مناهضة للاستعمار، فحرب الستة والخمسين بمشاركة اسرائيل والاستعمارين البريطاني والفرنسي استهدف الاطاحة بنظام عبد الناصر التقدمي وتوسيع رقعة التوسع الاقليمي العدواني الاسرائيلي كما ان حرب حزيران العدوانية الاسرائيلية في السبعة والستين واحتلال باقي اراضي فلسطين التاريخية وهضبة الجولان السورية وسيناء المصرية، كان هدفها اسقاط نظام عبد الناصر وضرب الصداقة العربية – السوفييتية والتوسع الاقليمي الاسرائيلي. وحرب الثلاثة والسبعين والاثنين والثمانين والالفين وستة، جميعها حروب عدوانية اسرائيلية منسّقة مع الدوائر الامبريالية لضرب مسيرة تطور بلدان المنطقة وابقائها متخلّفة في حظيرة التبعية الاقتصادية والسياسية الخارجية.
لقد استهدف وعد بلفور على المدى البعيد ان تكون اسرائيل نموذج الشرير الشرس والعدواني في اطار خدمة المصالح الامبريالية ومواجهة كل ما هو تقدمي في عالمنا. وحتى تقوم بدور كلب صيد سيدها الامبريالي حولت الدوائر الامبريالية اسرائيل الى ترسانة عسكرية، حجم طاقتها العسكرية اكبر من مجموع قدرات الدول العربية العسكرية مجتمعة. وتحولت اسرائيل الى سمسار اسلحة تزود كل قوة رجعية في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية بالسلاح والتدريب. واليوم في اطار الهجمة الاستراتيجية الامبريالية الامريكية على منطقتنا وكونيا تحت ستار محاربة الارهاب وبهدف الهيمنة الامريكية تقوم اسرائيل بدور ناشط في اطار هذه الاستراتيجية العدوانية ان كان ذلك في العراق المحتل او في لبنان. فاسرائيل العدوان وبمساندة من حليفها الاستراتيجي الامريكي، تحولت الى محراك الشر والتوتر الذي يحرم المنطقة من توفير مناخ الامن والاستقرار والسلام العادل. والشعب العربي الفلسطيني لا يزال الى اليوم يعاني من اسقاطات وعد بلفور المشؤوم التي "ولّدت" في العصر الحاضر "وعد بوش" لجنرال الاستيطان والمجازر اريئيل شارون، فاذا كان وعد بلفور مدلوله ضمان وطن قومي لليهود في فلسطين على حساب الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، فان "وعد بوش" لشارون يطارد من شردهم وعد بلفور من اللاجئين ويشرعن التنكر لحقهم في العودة ويقدم جائزة للمغتصب المحتل الاسرائيلي ضم كتل الاستيطان لاسرائيل!!.
وفي نهاية المطاف اريد التأكيد على امرين اساسيين وجوهريين، الاول، ان وعد وزير الخارجية البريطانية بلفور للصهيونية بموطن قومي في فلسطين يعكس علاقة السيد بخادمه في المرحلة الامبريالية واستعداد القيادة الصهيونية، وفيما بعد الصهيونية الاسرائيلية تقديم اية خدمة قذرة للدول الامبريالية، اذا كان ذلك يخدم برنامجها العدواني التوسعي على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية. والثاني – ان سياسة العدوان واغتصاب اراضي الغير والتنكر لحقوقهم الوطنية وخدمة المصالح الامبريالية وشن الحروب العدوانية لم تجلب لاسرائيل الامن والاستقرار والسلام. العكس هو الصحيح فهذه السياسة المغامرة لا تحصد سوى المزيد من الدماء النازفة على ساحة الصراع وتردي الاوضاع المعيشية الى درجة ان اكثر من مليون وستمئة الف انسان في اسرائيل يعيش تحت خط الفقر.
ان مهمة قوى السلام والدمقراطية وحقوق الانسان في اسرائيل هي تصعيد كفاحها المشترك اليهودي – العربي، السياسي – الجماهيري، لدفن سياسة البلطجة العدوانية وانهاء الاحتلال بالانسحاب من جميع المناطق المحتلة الفلسطينية والسورية وما تبقى من ارض لبنانية والاعتراف في مؤتمر "انابوليس" بحق الشعب الفلسطيني المشروع بالدولة والقدس والعودة، وفصم العلاقة الاستراتيجية السوداء مع الامبريالية الامريكية وانتهاج سياسة سلام وتعاون على قواعد المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل بين اسرائيل وفلسطين وباقي البلدان العربية. ولا يمكن القضاء على آثار وعد بلفور المشؤوم الا بوقف الدم النازف من جراح النكبة، من خلال بناء جسور السلام العادل بين اسرائيل والدولة الفلسطينية العتيدة.

* نشر هذا المقال للراحل د. أحمد سعد في ملحق "الاتحاد" يوم الجمعة 2 تشرين الثاني 2007، تحت عنوان "المدلولات الحقيقية لوعد بلفور المشؤوم"

قد يهمّكم أيضا..
featured

إضراب شعب أصيل<br>(ملاحظات عن استراتيجية متشرذمة)

featured

لماذا يجب أن نصوّت في انتخابات الكنيست ولمن؟

featured

قانون مُعادٍ لحريّة المعتقد والعمل

featured

نحن والفأر والقط

featured

الماركسية... وسرير بروكوست (2-2)

featured

الكرة الارضية قطعة واحدة

featured

كلّ أيّار وأنتم بخير

featured

ليس التألّم علامة الخضوع !