*فيما يلي الحلقة الثانية والأخيرة من مقال المفكر الماركسي المصري محمود أمين العالم، والذي رحل قبل نحو نصف سنة*
// التجربة السوفيتية
مع الثورة السوفييتية عام 1917 انتقلت هذه النظرية الماركسية من افقها النظري الى الممارسة الواقعية التأسيسية. وتحولت من ممارسة ثورية لانتصار ثورة الى سلطة ثورية منتصرة في سياق اوضاع سياسية واجتماعية اقتصادية وعسكرية وعالمية مختلفة، واصبحت الماركسية هي مصدر المشروعية لهذه الثورة ومرجعيتها الفكرية والعملية الاساسية.
لا اريد ان ادخل في تفاصيل هذه الاوضاع التي قامت السلطة الجديدة في سياقها. على ان هذه السلطة الجديدة كان من الطبيعي ان تسعى الى تكييف النظرية بحسب هذه الاوضاع تحقيقا لاهدافها العامة.
فماركس لم يقدم برنامجا عمليا للتحول الاشتراكي وانما قدم خطوطا عامة. ولقد استطاع لينين ان يقود عملية الثورة وان يحققها باقتدار عبقري في مواجهة الضرورات العملية والفكرية والتنظيمية التي فرضتها الاوضاع الخاصة والدولية، وكانت هناك ابداعات فكرية وعملية عديدة مثل نظرية قيام الاشتراكية في بلد واحد، ومثل نظرية اضعف الحلقات، ومثل الربط بين السلطة والكهرباء، أي التصنيع، ومثل الثورة الثقافية، ومثل نظرية حق تقرير المصير ومثل الدعوة للسلام العالمي، ومواجهة الحرب الاهلية والتدخل الامبريالي، ولكن لعل من ابرز الابداعات العملية في تقديري هو مشروع الـ Nep الذي سعى به لينين ان يردم الهوة بين الطبيعة الثورية للسلطة الجديدة وبين الواقع الاجتماعي البالغ التخلف، ربما اقترابا من رؤية ماركس الخاصة بقيام الاشتراكية في البلاد الرأسمالية المتقدمة، باعتبار ان الاشتراكية هي تتويج لاكتمال المرحلة الرأسمالية.
وبرغم الطابع المحلي لهذه المنجزات تدعيما للثورة، فان الثورة السوفييتية كانت ثورة ذات دلالة تاريخية انسانية شاملة، غيرت موازين القوى في العالم، لمصلحة الطبقات العاملة في العالم ولحركات التحرر الوطني في البلاد النامية.
ولكن مع تقديرنا للدور العبقري المبدع لقيادة لينين لهذه الثورة منذ مراحلها الاولى حتى قيام سلطتها، سواء في كتاباته النظرية او سياساته وممارساته العملية، فما اجدرنا ان نتساءل عن مدى الاضافة النظرية التي اضافها لينين الى الماركسية، بحيث يصح القول بالماركسية – اللينينية. لعلنا نذكر مقولة ماركس الشهيرة "لست ماركسيا" في مواجهة محاولات تحويل افكاره الى إكليشيهات جامدة، ونظرية نهائية. وما اذكر ان لينين جعل، في حياته، من منجزاته النظرية والعلمية رغم اهميتها اضافة نظرية كاملة الى الماركسية. وأتساءل:
هل حاول ستالين، وهو الذي صاغ مفهوم اللينينية كاضافة نظرية الى الماركسية، ان يعطي لهذا المفهوم مشروعية وطنية للسلطة السوفييتية، وبالتالي لسلطته هو نفسه، فضلا عن اعطاء هذه السلطة السوفييتية مشروعية اممية؟!
اننا نستطيع ان نحدد المعالم النظرية التي صاغها ستالين لتأكيد هذه الاضافة النظرية للينينية الى الماركسية في الامور التالية: مسألة انتصار الثورة في بلد واحد، مسألة اضعف الحلقات، والنمو غير المتكافئ، وبناء الاقتصاد الاشتراكي، ودكتاتورية البروليتاريا، وحزب الطبقة العاملة، والمسألة الوطنية، ومسألة المستعمرات، ودراسته للامبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية، الى غير ذلك، وهي بغير شك اضافات غنية فكرية وعملية الى رصيد النضال الثوري، وهي بغير شك عناصر نظرية واجرائية تعبر عن نظرية التجربة السوفييتية الثورية، وخاصة في بدايتها. وعندما اضافها ستالين الى الماركسية كمرجعية للثورة الاشتراكية عامة كاد يجعلها في الحقيقة المرجعية الاساسية لهذه الثورة، بل كاد يخفت الى جانبها الصوت الحقيقي للماركسية، لقد تحولت الماركسية في ثوبها اللينيني بمفهوم ستالين الى مذهب رسمي للحزب الشيوعي السوفييتي وللسلطة السوفييتية.
// الماركسية الحاكمة
وهكذا تحولت الماركسية الى مؤسسة حاكمة هي المرجعية الاساسية والوحيدة في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية في الاتحاد السوفييتي، وتحولت المادية الجدلية، كما سبق ان اشرنا الى Dia Mat، قواعد قانونية سلوكية فكرية للدولة والحزب، ابتداء من 1934 باعتبارها الفلسفة العامة التي تعبر عن القوانين الشاملة للمادية الجدلية ولسيرورة الطبيعة والتاريخ والفكر والحكم والمعيار الوحيد على صحة وصدق كل فكر فلسفي او علمي او اقتصادي او عملي عامة.
واصبحت مهمة العلماء استخلاص قواعد هذه الفلسفة القبْلية من الطبيعة والتاريخ باعتبارها المبادئ النهائية لحركة الواقع، ولمنهج المعرفة، واصبحت الـ Dia Mat بمثابة بوليس سياسي للحقيقة، بل تحولت المادية التاريخية الى رؤية تطورية اقتصادية نهائية للحركة التاريخية الاجتماعية ذات الاتجاه الواحد.
واصبحت هذه الـ Dia Mat وسيلة لتمرير وتبرير كل سياسات السلطة البيروقراطية التي اصبحت دكتاتورية على الحزب وعلى الطبقة العاملة نفسها. والاخطر من هذا ان اصبحت هذه السلطة السوفييتية بسلاحها النظري هذا هي المرجعية الوحيدة للحركة الشيوعية في العالم اجمع. وهكذا جُمدت الماركسية وانتهت كعلم وكممارسة وكفلسفة، واصبحت ادبياتها تلقينية تبسيطية مطلقة الصحة واليقين، بل تفرض نفسها فرضا اجباريا.
ولهذا نرى ستالين يقول في كتابه حول مسائل اللينينية: "اليست اللينينية تعميما لتجربة الحركة الثورية في كل مكان. اليست اسس نظرية وتكتيك اللينينية صالحة واجبارية لجميع الاحزاب البروليتارية في كل البلاد"؟ لكن التجربة السوفييتية ليست معيار الحكم على الفكر الماركسي!
وهكذا، باسم اللينينية، فرضت الدولة السوفييتية سلطاتها على الحركة الشيوعية العالمية. واصبحت الماركسية ترقد جثة هامدة فوق سرير بروكوست او سرير الدولة السوفييتية البيروقراطية او تزيد بحسب طول هذا السرير – سياسيا ومصلحيا – أي بحسب المصلحة السياسية البرغماتية الخاصة لهذه السلطة.
ولا يمكن تفسير هذا بالعامل الذاتي وحده او الفهم المتخلف الخاص بالماركسية مع اهمية هذا العامل، وانما هناك بعض اسباب موضوعية تتعلق بالطابع المتخلف للمجتمع السوفييتي، وبروز النازية التي كادت تشكل تحديا مباشرا للتجربة السوفييتية والرغبة في اللحاق بالنظام الرأسمالي، الى غير ذلك.
//منجزات ولكن...
ولست انكر مع ذلك ما حققه الاتحاد السوفييتي من انجاز عظيم في هزيمة النازية، وفي دعم حركات التحرر الوطني ومختلف حركات الطبقة العاملة في العالم. ولكنها حققت هذا في تقديري كدولة عظمى لا كدولة اشتراكية ماركسية.
وليس ما شهدته سنوات انهيار النموذج السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية الا النتيجة الطبيعية لهذا الانهيار الفكري والايديولوجي والديمقراطي والثوري عامة، وغلبة الطابع الارادوي والبيروقراطي على السلطة السوفييتية.
لم تعد الطبقة العاملة في السلطة، ولم يعد الناس يصنعون تاريخهم، واصبحت سياساتها رغم ما تتضمنه من مساندة كبرى لبلدان العالم الثالث ولقضية السلام العالمي تسعى لتحقيق ذاتها كدولة عظمى تسعى لنشر نفوذها واللحاق بالرأسمالية العالمية والتفوق عليها.
ان هذا لا يعني انه في داخل الاتحاد السوفييتي وداخل وخارج مختلف الاحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم كانت هناك تيارات ماركسية حقيقية تناضل فكريا وعمليا ضد هذا الاتجاه السلطوي البيوقراطي المناقض للماركسية وباسمها بالاضافة الى اسم لينين.
على انه برغم ما حدث خلال السنوات الماضية، ما تزال اعلام الماركسية والشيوعية، بمستويات مختلفة مرفوعة في اكثر من بلد وفي اكثر من حزب. وما يزال الصراع الطبقي محتدما بل يزداد احتداما على مستوى كل بلد، وعلى المستوى العالمي اجمع.
وبرغم البلبلة الفكرية التي تغذيها ترسانة البلاد الرأسمالية ضد الفكر الاشتراكي عامة، والماركسي خاصة، فلم تبرز الحاجة الى الاشتراكية والى الفكر الماركسي كما تبرز الحاجة اليه هذه الايام. ان الحكم على الاشتراكية والفكر الماركسي لا يكون بما اصاب التجربة السوفييتية الاشتراكية من انهيار، وانما الحكم الصحيح على الاشتراكية والماركسية يكون بما تعانيه الرأسمالية العالمية اليوم من عجز عن تقديم حلول للمشكلات الاساسية للواقع الانساني. بل وبشراستها العدوانية والاستغلالية ازاء شعوب العالم الثالث بوجه عام، فضلا عن تفاقم ازماتها الاقتصادية والاجتماعية والقيمية.
// ضرورة الاشتراكية
وهكذا تبرز الاشتراكية والماركسية كضرورة، ما تزال تتطلع اليها هذه الاوضاع التي تزداد ترديا في حياة شعوب العالم وخاصة شعوب البلاد المتخلفة والنامية.
وهكذا نعود الى البداية متسائلين: هل ما تزال الماركسية، كما قال بها ماركس، هي نفسها لم تتغير، وعلينا ان نرفع اعلامه واعلامها؟ وهل ما تزال الماركسية – اللينينية التي ناضلت وضمت آلاف الناس تحت رايتها، كما هي بذات الصيغة القديمة؟
ثم اخيرا، ما السبيل للخروج من هذه الازمة التي تعانيها الماركسية فكرا وواقعا..؟!
ان الماركسية في تقديري ما تزال تحمل من المصادر النظرية والتوجهات المنهجية ما يجعلها مرجعية اساسية من مرجعيات الفكر الاشتراكي والنضال الاشتراكي، وخاصة فيما يتعلق باستنادها الى البحث العلمي، اختبارا لمصادرها وكشفا متصلا لقوانين الواقع، فضلا عن الممارسة الثورية المنظمة المستندة الى هذه الممارسة العملية، الى جانب رؤيتها النظرية الفلسفية المادية الجدلية في دلالتها التي اشرنا اليها سابقا، وفي ماديتها التاريخية في صورتها، المتطورة بتطور الخبرات والمعارف، لا في رؤيتها التخطيطية الميكانيكية الاحادية الاتجاه، فضلا عن الطابع النضالي للماركسية من اجل الانتقال بالمجتمع البشري من مرحلة الرأسمالية الى المرحلة الاشتراكية كمرحلة انتقالية نحو الهدف الشيوعي – الذي وان يكن ذا طابع يوتوبي لا يمكن ان تتحدد معالمه الآن – الا انه على الاقل وبشكل عام لن يكون نهاية للتاريخ، بل سيكون مرحلة تاريخية يتحقق بها التحرر الكامل للانسان من عوامل القهر والاغتراب والاستغلال والتي تتفتح بها آفاق انسانية حقيقية جديدة للحرية والابداع.
// تجديد الماركسية
وكما ارتكزت الماركسية على مرجعيات علمية وفكرية سابقة، فضلا عن انها كانت ثمرة للواقع الموضوعي وللمرحلة التاريخية التي نشأت فيها ومنها، فلا شك ان الماركسية في عصرنا الراهن، لا بد ان تجدد مصادرها التي تستند اليها في تجددها الفكري والنضالي.
فلا شك انها سوف تستند في مرجعيتها الى الماركسية والى ما استندت اليه الماركسية من مرجعيات علمية وفكرية وموضوعية كما سبق وان اشرنا، ولكنها ينبغي ان تضيف الى ذلك ما استجد منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم من تطورات علمية وتكنولوجية، وبخاصة ما يتحقق اليوم من ثورة كاملة في مجالي علوم الاتصال والمعلوماتية، فضلا عن الخبرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، السلبية والايجابية، وخاصة خبرة انهيار النموذج السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وانهيار حركات التحرر الوطني واحتدام الصراعات العرقية والقومية والدينية في العالم، والازمات التي يعانيها اليوم النظام العالمي ومحاولات الهيمنة على العالم، الى جانب بروز حركات اجتماعية جديدة في العالم كحركات السلام، والدفاع عن البيئة، والجماعات المدنية والاهلية، والمنظمات الدولية والصورة العامة للعولمة بدلالتيها الايجابية والسلبية فضلا عن تطور مفهوم قوى الانتاج نتيجة للثورة العلمية الجديدة ومفهوم القيمة وما يفرضه هذان المفهومان من تطوير ضروري لمفهوم الطبقة العاملة، ومفهوم دكتاتورية البروليتاريا، فلم تعد الطبقة العاملة هي ذاتها في صورتها التقليدية بل اضيفت اليها قوى جديدة، كما ان مقولة دكتاتورية البروليتاريا اصبحت اضيق من ان تتسع للقوى الانتاجية والابداعية الجديدة التي يمكن اليوم ان تشارك في التحولات الثورية.
وهكذا تتسع مرجعية الحركة الاشتراكية وتتعدد مصادر قوتها وفاعليتها عن الحدود الماركسية القديمة، وان تكن امتدادا ابداعيا لها. وهنا يثار سؤال مشروع قابل للمناقشة لانه يطوف في اذهان كثيرة: الا تعد مقولة "الاشتراكية العلمية" والاكتفاء بها اكثر ملاءمة تعبيرا عن الاوضاع الجديدة بدلا من الانتساب النظري الى اسم ماركس دون اغفال اسمه كمصدر اساسي من مصادر الفكر الاشتراكي العلمي؟ هذا فيما يتعلق بالماركسية، اما فيما يتعلق باضافة اللينينية الى الماركسية، فقد يكون من الملائم الاشارة الى منجزات لينين الفكرية والعملية باعتبارها مصدرا من مصادر الاستلهام، شأنها في ذلك شأن العديد من الخبرات الفكرية والنضالية في التاريخ البشري عامة، بل والتاريخ الوطني والقومي، سواء في التراث الفكري او الممارسات والانجازات العملية، وذلك دون الالتزام بها التزاما نظريا كاملا؟
وقد تكون قضية البنية التنظيمية الخاصة للحزب اللينيني بالضرورة موضع اجتهاد جديد خاصة في ضوء التوسع في نطاق القوى الاجتماعية المؤهلة للمشاركة في التغيير الثوري، فضلا عن ضرورة تنمية روح الدمقراطية واحترام الاختلاف وتصفية الاتجاهات البيروقراطية والتسلطية في البنية الحزبية خاصة، وفي التحالفات بين الاحزاب عامة.
وهنا يثار السؤال مرة اخرى، اعتقد انه يدور في كثير من الاذهان وخاصة بالنسبة للينين حول الاكتفاء بمقولة الاشتراكية العلمية والاكتفاء بها كمرجع اساسي عام باعتبارها اكثر ملاءمة من الانتساب الى اسم من الاسماء مهما كان التقدير العميق لابداعهم الفكري والنضالي. فلعل الانتساب الى اسم من الاسماء مما يحد من امكانية تطوير الفكر النظري، بل قد يثير نوعا من الاحساس بالاغتراب عن خصوصية الواقع الوطني لدى الجماهير الشعبية وهذه قضية مطروحة للحوار.
ان التركيز على عملية التجربة الثورية – التغييرية، وتنمية الثقافة الدمقراطية والعقلانية والنقدية والابداعية، والتخلص من كل التعميمات الايديولوجية المجردة، والحرص على الدراسة العينية للواقع العيني.. سواء في خصوصيته الوطنية المحلية او خصوصيته القومية العربية في تجربتنا العامة، او في خصوصيته العالمية، والسعي الى قيام اوسع التحالفات السياسية والنضالية بين مختلف القوى الانتاجية والابداعية والاجتماعية على المستوى الوطني والعربي والعالمي، بل والسعي الى المشاركة في انشاء اممية جديدة لا تلغي الخصوصيات الوطنية والقومية والثقافية المختلفة، بل تجعل منها قوة تخصيب واغناء لهذه الاممية الجديدة، فضلا عن الحرص على الطابع الدمقراطي لهذه الاممية بحيث تحترم الاختلافات والتمايزات، والخبرات المتنوعة، وتزول عنها المركزية البيروقراطية لقطب من اقطابها.
هذه في تقديري هي بعض العناصر التي قد تصلح نقطة انطلاق لمرحلة جديدة تطويرا للفكر الماركسي، وتنمية النضال الثوري، وتوسيعا، وتعميقا له، للخروج بالحركة الاشتراكية خاصة، وحركة النشاط الثوري الانساني عامة. من ازمتها للتصدي لمحاولة الرأسمالية العالمية فرض هيمنتها وسياساتها ومصالحها الاستغلالية وثقافتها على عالمنا المعاصر.
على ان هذه العناصر العامة لا تغني عن معالجة خبرة فكرنا الماركسي في التطبيق الحي، معالجة نقدية محددة في اطار واقعنا المصري المحدد.
