يُعتبر الحنين إلى الماضي من أهم ما ينتاب الإنسان حين يفكر في ذاته وفي من حوله.. فيصل الحنين احيانًا إلى درجة يقشعر فيها البدن وتسيل العاطفة، مثل مسألة الشباب والحب الأول والقبلة الأولى... وعند بعض المثقفين والقراء المثابرين القراءات الأولى. ومثلي في ذلك قراءاتي لجبران خليل جبران ولليو تولستوي ولإميل حبيشي في رواياته التاريخية، وكنت في حينه بين سني الخامسة عشرة والعشرين... كما وأذكر انني كنت والوالدة من قرّاء "الإتحاد والجديد والغد"، حين كانت الإتحاد تصدر مرتين في الأسبوع (الثلاثاء والجمعة)، وحين كانت الغد والجديد شهريتين. وكان كل ذلك في أواسط الخمسينات وحتى الستينات.
طبعًا انا لا اذكر بدايات الجديد التي صدرت أول ما صدرت سنة 1951 كملحق أدبي للإتحاد. لكنها صدرت كمجلة مستقلة مستغنية عن حضن الأم عام 1953 وترعرعت حاضنةً أجمل الكتاب حتى سنة 1991 ، حيث كبروا بها وكبرت بهم . اي أنها عاشت 38 عامًا، وبدأت تحتضر وهي في ريعان الشباب.. بدأ قلبها يخفق بدون إنتظام وظهرت بشكل متقطع حتى إختفت تمامًا.
وهنا تروني لا أكتب تاريخًا إنما حنينًا سائلًا على شكل كلمات، ربما تكون ليست كالكلمات، وربما أيضًا ليست أسود على أبيض إنما أحمر قان ٍ على الأبيض المشوب بالصفرة.
أكتب وشعر يدي واقفًا وبدني مبرغِل. أكتب بعد عشرين عام على إختفاء الجديد اختفاءً لا موتًا. لأنني واثق من عودتها كعودة الإمام عند المؤمنين الشيعة! وكعودة المسيح المنتظر عند النصارى واليهود، وعودة المهدي في آخر الزمان. لكنني حتى لا أعدو في متاهة الزمان وآخر الزمان أعود إلى الحاضر.. إلى الزمن الحالي والوضع الراهن. وإلى ما يمكن ان يكون لا إلى المستحيل والغيب والغيبيات او الأسطورة بالمعنيين السلبي والإيجابي.
أكتب لأنني أعيش الحاضر وأتطلّع إلى غد أفضل، أحنّ إلى الماضي ولا ألتصق به، أتّكىء عليه وأنطلق . أحنُّ إلى تلك الأيام حين كنت فتى يتتلمذ على الجديد وكتاب الجديد في حينه، قبل عشرين سنة، وما قبل عشرين سنة. أحنّ لأنني مؤمن بدورها الرائد سياسيًا وثقافيًا وإجتماعيًا، وثابت على إيماني هذا.. والثبات على الكفر يعتبر نوعًا من انواع الإيمان.
لقد كانت الإتحاد حاضنة للجديد لمدة سنتين... ولقد كانت الإتحاد منذ النكبة الصوت الأعلى والوحيد المثابر ضد الحركة الصهيونية وضد الإقتلاع والتشريد والعدمية القومية. اذكر كيف كانت صحف البلاط الإسرائيلية تقول عنها:"صحيفة الشيطان وزمرة الكفر والإلحاد". منذ النكبة وحتى زوال الحكم العسكري سنة 1966.
إختفت صحف البلاط وظهرت صحف أخرى، تؤدي الدور نفسه لكن من زاوية أخرى.. أشدّ وقعًا من وقع الحسام المهند. اقول قولي هذا غيرةً وحنينًا جارفًا أدران وغيري ... وأضمّ صوتي إلى باقي الأصوات الغيورة في عملية إنتظام وصول الإتحاد للقرّاء،ما الفائدة من صحيفة تُطبع ولا توزّع ؟ وأعود وأكرر عودًا على بدء، مسألة الظهور المنتظر للجديد كملحق أدبي للإتحاد، بهيئة تحرير مستقلة، وبروح جديدة متجددة وملتزمة بما ينفع الناس. نحن بحاجة! نقطة.
