بين سلطة الجامع وسلطة الكنيسة

single

بعد حروب استمرت ثلاثمائة عام في أوروبا خسرت الكنيسة قوتها ورضخت للفصل بين السلطة الروحية للكنيسة والسلطة الدنيوية 

إن الفشل الذريع الذي مني به التيار القومي والتيار الأممي العلماني وغياب الحريات العامة في العالم العربي كانت هي الأسباب الحقيقية لانتعاش التيارات الدينية، وصعود الفكر الديني وبرنامجه السياسي الذي يشكل خطرا كبيرا على القضايا العربية عامة، وعلى القضية الفلسطينية بشكل خاص.
لقد طرحت المقاومة الفلسطينية منذ أن تأسست خلاياها الأولى والتي خرجت أصلا من رحم حركة القوميين العرب بقيادة الراحل الكبير جورج حبش، طرحت القضية الفلسطينية على أساس أنها قضية قومية سياسية وليست قضية دينية، ثم جاءت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح وأكدت الطرح السياسي بعيدا عن الأيديولوجيا القومية، مما دفع بأعداد كبيرة من الفلسطينيين للارتباط بحركة فتح التي مثلت العمود الفقري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني، وجمعت الماركسي مع الديني، مع القومي والأممي ووحدتهم جميعا تحت شعار واحد وهو تحرير الوطن بالكفاح المسلح. كما أن حركة فتح لم ترفض وجود أكثر من فصيل على الساحة النضالية من منطلق أن كل من التزم بالميثاق الوطني الفلسطيني هو حليف بل وصاحب حق في هذه المسيرة.
كانت القوى الإسلامية في تلك المرحلة، وخلال فترة الحرب الباردة، على وئام وتوافق مع الغرب الإمبريالي، وكانت معادية للفكر الأممي العلماني من منطلق الشوفينية الدينية التي يعبرون عنها اليوم في نهجهم السياسي والعسكري، برفض قطعي لتحالف حقيقي مع هذه القوى يقوم على أساس الشراكة السياسية، بل يمارسون ما من شأنه أن يوصف الصراع بيننا وبين العدو الإسرائيلي على أنه صراع ديني، والادعاء مثلا بأن ضحايا الحادي عشر من أيلول لم يكن بينهم يهود لأنهم هم الذين كانوا وراء الاعتداء على برجي التجارة في نيويورك، فأخبروا بعضهم بعضا بعدم التوجه إلى العمل في ذلك اليوم المشؤوم، وأن الحرب مع العدو الأمريكي هي حرب دينية، خاصة وأن الرئيس الابن جورج بوش وبحماقة لا نظير لها أعلن بأن حربه على الإرهاب هي حرب صليبية.
وهنا لا بد لنا من أن نشير إلى أن الإسلام السياسي لن يتمكن من الحصول على تعاطف الغرب الرسمي معه إذا ما استمر في تكفير هذا الغرب، والقيام بأعمال إجرامية ضد هذا الغرب تحت مسميات شتى، بل ومعاقبة الغرب على أساس أنه يدعم إسرائيل، ما دام هذا الإسلام السياسي يستخدم وسائل القتل الأعمى والقبض على قضية فلسطين كقميص عثمان فى الساحة الدولية باسم الإسلام الذي هو بريء مما يفعلون.
لقد خسرت الكنيسة حربها مع المؤسسة السياسية بعدما أجبرت على التخلي عن احتكارها للحق الإلهي وتمثيلها لله على الأرض، بل رأت أنه من الأفضل لها التماهي مع العصر وفصل الدين عن الدولة وانتهاء دورها كوسيط بين الله والعباد، وبقيت هناك فقط مظاهر تقليدية وطقوس تتمثل باعتراف الإنسان لرجل الدين عن خطاياه في الدنيا، ومن ثم محاولته الاغتسال من هذه الخطايا، مثله في ذلك مثل الإنسان المسلم الذي يذهب إلى الحج أو العمرة كي يغتسل هو أيضا من ذنوبه التي اقترفها في مسيرة الحياة.
وبالرغم من أن الإسلام لم يضع واسطة بين الله والإنسان، مما يسهل على المسلمين أن يجعلوا الدين الإسلامي منسجما مع العصر، إلا أنهم حولوه إلى مجرد أداة لقتال مذهبي، علما بأن كبرى القضايا بالنسبة لهم هي قضية عادلة وقضية سياسية من الطراز الأول والمقصود هنا هو، القضية الفلسطينية.
وعندما تمادت الكنيسة في غيها واضطهادها لأبنائها وفتكها بكل من يعارضها من رهبان وأناس عاديين بل وملوك، وسياسيين، وبدأت بإصدار صكوك الغفران تبيعها لكل من يريد بطاقة لدخول الجنة، عندها انتفض أحد رجالاتها وهو القس مارتن لوثر وتمرد، واحتج على بابا الفاتيكان، وأصدر بيانه المشهور الذي احتوى على خمسة وتسعين حجة ضد صكوك الغفران وقامت بعدها حروب في أوروبا استمرت ثلاثمائة عام، لكن الكنيسة خسرت هذه الحرب، وخسرت قوتها ورضخت في النهاية الى الفصل بين السلطة الروحية للكنيسة والسلطة الدنيوية التي تحولت فيما بعد إلى مؤسسات ديمقراطية ومجتمع مدني.
من هنا نتحدث عن خطورة احتكار الدين للقضية الفلسطينية، فبكل بساطة، يكفر رجال الدين كل من يخالفهم الرأي ويحتكرون حق الإيمان ولم يجرؤ أي من الأئمة على حسم سلطة الجامع في مجتمعاتنا الدينية بعد، لأننا لم نحظ بعد بإمام يتمتع بجرأة مارتن لوثر.
وقد يقول قائل إن ثورة المحتجين التي أوقدها لوثر أسفرت عن حروب دامت ثلاثمائة عام، نقول لهم وهل كان من الممكن لأوروبا أن تتمتع بالديمقراطية اليوم لو لم تجبر الكنيسة التخلي مكرهة عن سلطتها السياسية باسم الدين وباسم سلطتها الروحية، وهكذا هو الحال في سلطة الجامع في العالم الإسلامي الذي يجد فيه اليوم الإسلام السياسي أرضا خصبة لأفكاره المتطرفة.
نحن ما زلنا بانتظار هذا الإمام الثائر.

 

* سفير منظمة التحرير الفلسطينية السابق في الدانمارك والنرويج

قد يهمّكم أيضا..
featured

ان بصقت لفوق او لتحت البصقة لابساني!

featured

الممكن المطلوب فلسطينيا هو سحق التشرذم

featured

النكبة.. شهادتي الحيّة

featured

ذكريات لا تغيب عن البال

featured

كتاب مفتوح للخوري جبرائيل ندّاف

featured

البحر الهائج يا غزة . . هو الجبهة نبض العزة

featured

حول السياسة الامريكية غير العادلة