النكبة.. شهادتي الحيّة

single

على غير موعده، ينهمر المطر غزيراً هذه الليلة. أصدّق لبرهة أن تدخّل الإنسان السافر بالطبيعة جلب إلينا هذه التقلبات الطقسية، وأن الثقب في طبقة الأوزون يفعل فعله بنا.. لكن رائحة شرسة اخترقت دماغي وأيقظت تلك الفكرة المتقلبة فيه دونما هدوء كمن ينغّص مضجعه أرق أزلي أبدي. تتهاوى حبات الماء كالصاعقة فوق الأرض، التراب الجبلي البني الخشن ينجبل بها فتفوح رائحة الشتاء الأول، أو ذلك القادم بعد طول مغيب.
"الزيتون كان كثيفاً في ذلك الكرم وحول جذوعه العريضة انكمش اللاجئون للتو". بكت جدتي، وحكت بقية القصة، كيف خرج والدها ليدعو أهل القرى الهاربين من الموت في الكفرين وصبارين وخبيزة ودالية الروحة وأم الشوف وغيرها، إلى بيته او بالأصح إلى حجرته الوحيدة، إيواء لهم من مطر أيّار المقتحم. هؤلاء هُجّروا صوب الشرق، حيث ستسود المملكة الهاشمية الأردنية فيما سيعرف لاحقا بـ "الضفة الغربية"، بعضهم عبر الحدود الجديدة فعلاً والبعض الآخر استقر حيث باغته المطر، في أم الفحم، البلد التي رمتها المصادفة أو المكر السياسي، في إسرائيل.
الطقس لدينا نحن الفلسطينيين كما التأريخ، يستحيل ألا يستشهد به لاجئ لتسجيل عدد الأشهر أو السنوات التي أمضى لاجئاً خارج الوطن، "صيّفت علينا ببنت جبيل وصقعت مرتين"، "شتت شتوية وحدة بصور وبعدها تسللنا عالبلاد"، "شتّت مرتين قبل ما نرجع"، هذه تعابير شائعة لدى اللاجئين الذين "حظيوا" بالعودة بعد عام أو اثنين من الغربة بعيداً عن فلسطين، وبعضهم عاد ليبقي لاجئاً داخل ربوع الوطن. أهي حرقة الفلسطيني على مناخ بلاده تلك التي تبعثه على حسبان الصيف والشتاء والحر والبرد في غربته!  كأنما الحسرة على فصول لم يعشها في بلده هي كل ما يمقته؟!  كيف لا وهذه البلاد الآن بعزّ حلاوتها، بربيعها وطلعة صيفها.  
كما في هذه الأيام تماما خرجوا.. اقتُلعوا. كلما حلّت أشهر النكبة، أحاول تخيّل شكل البلاد في ذلك الوقت قبل ستة وستين عاماً، عندما شملوا قوافل منهكة من هول الفاجعة، وخرجوا. في نيسان تكتنز الأرض بالخضرة وفي أيار تطل برأسها تلك الزهرة الوردية من بين أسراب العشب الذهبي كاسية حوافّ الطرقات، يسمونها الخطمية أو الحطمية، وهي بربيعها الصاعد من جوف الصيف تضاهي جمال الخرفيش، تلك النبتة الساحرة بتحولاتها الكثيرة في فترة وجيزة، خضراء فوردية فشوكية تتكسّر على شكل مظلات تحلّق بخفّة القطن. ينتابني شعور بأن هذه البلاد الجميلة كانت أجمل قبل ستة وستين عاماً. أيكون هذا الشعور منبثقاً عن فكرة مبدئية تقترن بجدلية الأرض وأهلها! أو لعلهنابع من صلب الواقع، فها أنا اقود بسرعة تفوق الـ 130 كم في الساعة، في شارع استحدث قبل سنوات لا تتجاوز عمر فراشة من هذه الفراشات المقتولة ارتطاماً فوق زجاج السيارات، شَقَّ الشارع الأراضي على طول 140 كم .. ياااه كم استبيحت طبيعة هذه البلاد، وكم فقدنا من فضائها المفتوح، كم ضاق علينا المكان!
أم الفحم، حيث كانت السفوح ملأى بالزيتون والخروب والبلوط والسنديان والقُنديل، صارت قطعة يابسة مثخنة بالبنايات التي تبدو كأنها في صراع مستميت بينها للقضاء على كل سنتمتر من الحيّز العام، أصبح الفضاء عندنا بشعاً وناشزاً عن خط تطوره الطبيعي. بالنسبة لي هذه هي النكبة.. أو النكبة الآنية، أن أرى البلاد تتآكل تحت وطأة السياسات الإسرائيلية، أن يتحول الاحتلال من تعبير أو وصف الى أمر مرئي، تعرفين نقطة بدايته وتتابعين مساره في الدالة التصاعدية. تسمعينه على أثير "صوت إسرائيل" بالعبرية في أغنية تتغزل بالكرمل وطبريا وباب الواد، تذوقينه في طعم التبولة السيء الناتج عن محاولة تقليد بائسة للتبولة الفلسطينية، تشمينه مع دخان المفرقعات المحتفلة بـ "الاستقلال" في المستوطنات اليهودية المجاورة، وتشعرين به وجعاً ثقيلا كلما هوتْ شجرة أو بيت أو شهيد، وكلما استمعتِ إلى حكاية لاجيء.
لم أولد لعائلة لاجئة.. لكني لاجئة بالفطرة، والنكبة أعتبرها شأناً شخصياً بالمطلق، لا أنجح بالتداول فيها بحرية المسرّح من المشاعر. فأنا ابنة جيل النكبة الثالث، أعيش في مخيّلتي. مخيلتي التي تدّب الحياة بأطلال البيوت المهجّرة، تعبّد الدروب إليها، تشغّل طواحين الماء والبيادر، وتلتقي بالكثير من الأصحاب والأحبّة في شرفات منازلهم المطلّة على البحر، الذين لولا النكبة لكانوا هنا في مدنهم.
النكبة، التي حرفت مسار الحياة الفلسطينية ومعه مسار حياة العرب جميعاً، نار ملتهبة، لن تنطفيء ما دامت الذاكرة حيّة، والحسابات مع المحتل مفتوحة.


قد يهمّكم أيضا..
featured

الصُّدع في الجدار

featured

قرية درزية أم استخفاف بعقول الناس؟!

featured

سلكنا طريقا وعرة وتجاوزنا العقبات التمييزية والعنصرية

featured

نحن العنوان الواضح والصادق

featured

مجدل شمس درة الجولان الأشم

featured

"ميني" حلة حكم