ذكريات لا تغيب عن البال

single

(بمناسبة ذكرى الأربعين لوفاة القس شحادة شحادة)

أربع سنوات من العمر ، قضيتها مع المرحوم القس شحادة ما بين 1954-1958 في غرفة واحدة ، في مدرسة كفرياسيف الثانوية إبان رئيس مجلسها المحلي، الوطني الفذ المرحوم يني يني.
أربع سنوات قلبناها شهرا بعد شهر، دون ملل ومعا ،في المدرسة السالفة الذكر، التي صنعت من طلابها رجال المستقبل، الذي يتوخاه ويطمح إليه كل مواطن عربي، في وطننا الغالي، فلسطين، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
وكوني أنهيت دراستي الثانوية في كفرياسيف، فقد استقرت محبة هذه القرية في قلبي، ولن تخرج منه إلا بعدما يهرم ويلتزم الصمت الأخير.
واعتقد بل أؤكد، أن جميع الزملاء، وجميع الذين شربوا من مياه كفرياسيف، وأكلوا من فلافل عوض، رحمه الله، يشاركونني هذا الرأي.
وما محبتنا لها،واعتزازنا بها إلا لأنها زرعت في نفوسنا: الرغبة القوية بتحضير  دروسنا اليومية، مع إزالة كل المطبات التي قد تؤثر على نجاحنا، ثم شدت فينا العمل الجماهيري المنظم،والصمود مع وحدة الصف.
نعم،لكفرياسيف، قرية فقيدنا التي ولد فيها، وتربى في دفء بيوتها مكانة خاصة في وسطنا العربي.فقد تخرج منها أفواج من الخريجين، وخصوصا في العقدين الخامس والسادس من القرن الماضي، كان منهم:نواب كنيست،ومحامون،وقضاة،وأطباء،وحملة شهادات جامعية عالية،في شتى المواضيع، ومعلمون،وكتاب وشعراء وهكذا.
لمع من بينهم كثيرون كان منهم الدكتور القس شحادة. فهوا عرف من إن يعرّف بقليل من الكلام،في بعض قصير من الوقت.
وقد تكون شهاداتنا قصة في الحديث عن مناقبه وخصاله، وعما بذل من عطاء وتضحيات، خلال بعض الساعات القليلة.
ولذا من الصعب علي ان يفوتني التأبين بمناسبة الأربعين لوفاته دون إن أتغرغر ببعض الذكريات عن ذلك الإنسان المثالي، الصريح، الجريء، والذي يكره الضغينة والخصام وخصوصا بين الأشقاء.
ومع ان المجال ضيق ، ولن يكون بالإمكان تفصيل كل ما فيه من مزايا وخصال ، غير اني أعجب به ، بالاضافه لوطنيته ، كرجل دين ، ولكنه ليس كالمتزمّتين من الديانات الأخرى ، ورجل دنيا يحب الحياة وما فيها من جمال وسعادة وسلام . ويحب الناس العاملين بإخلاص في شتى حقولهم الزراعية والاجتماعية والسياسية.
لقد كان المرحوم صديقي ومن اعز الأصدقاء.
ولم اذكر في يوم من الأيام، اننا اختلفنا، وحلت القطيعة بيننا، لأننا كنا على وعي بأن اختلاف الرأي لا يفسد ودنا، ولا يقطع الشعرة التي تربطنا مع بعضنا البعض.
  بل استمرت صداقتنا على أحسن ما تكون الصداقة ، طيلة المرحلة الثانوية ، تميزت بالزيارات الكثيرة لقريتنا دير الأسد واللقاءات المتكررة في كفر ياسيف .
لن أنسى المرحوم في العديد من زياراته لقريتنا دير الأسد. فكم وكم تسلقنا على موقع الجلسة ، وقمة جبل المغر ، ومواقع السكن والبيارة ، وقفزنا من حجر إلى حجر ، وتسابقنا بين البلان والقندول ، والبطم الذي يكسو المنطقة عندنا بشكل كثيف وكم كان معجبا بلون القندول الأصفر ذي الرائحة التي تشق القلب كما يقول الفلاحون.
اجل ، في مرحلة الدراسة الثانوية في كفر ياسيف ، يوميا كنا نجتمع مع بعضنا البعض . لكننا، بعدها، أضحى التنائي بديلا عن تدانينا.
خرج المرحوم من وطن الآباء والأجداد ، ليلبي طموحاته .
وقضى وقتا صعبا حتى حصل على عدة شهادات منها شهادة الدكتوراة.
ولما عاد تذكر زميله الذي تربطه معه العديد من العلاقات التي لا يفرط بها.
وفي يوم من الأيام ، في ساعات ما بعد الظهر ، فوجئت عقيلتي بسيارة تتوقف في ساحة الكرم ، ويسأل قائدها : "وين كرم المختار؟ " اجابته على الفور :" وصلت " .
لعمري ، عندما سمعت الصوت الذي يبحث عني ، كوني على بعد خطوات من داخل الكرم ، عرفت صاحبه ، وهو صديقي الحميم شحادة. لأنه ترك في ذاكرتي صدى من لهجته ونبرته .
والتقينا بعد الفراق الطويل . وكان يرافقه المرحوم الأستاذ الأخ نديم شحادة والمهندس خليل العاصي ، زميلنا في الدراسة ، في نفس الصف ونفس الغرفة .
وكان عناق الأصدقاء والأحباء . وكانت فرحة اللقاء بعد الفراق .
وعدنا القهقرى أثناء جلستنا إلى سنوات الخمسين من القرن الماضي.
نسأل بعضنا البعض عن أحوال طلاب صفنا.
ولم يطل الوقت كي تطول الزيارة . لان الزمن يمشي بسرعة ضد رغبة الأحباء وقت اللقاء.
ومع هذا لم يمض شهر من اشهر الربيع والصيف إلا وللمرحوم زيارة أو اثنتان ، ومعه بعض من الزملاء .
وفي بعض الزيارات قال لي : " أُكثر من زياراتي لك لعلاقتنا الحميمة أولا ، ثم لاني أحب الجبل وترابه الأحمر وأشجاره وازهاره وسماءه المرقعة دائما بالغيوم والنجوم
فقاطعته مبتسما: "وفي كل مرة تزورني يا زميلي أشم فيها رائحة كفر ياسيف ، هذه القرية الراقية، المنورة بشيبها وشبابها ".
الله، رب العالمين، معك، لأنك تحب وطنك فمحبة الله من محبة الوطن
الله معك، لأنك كنت مخلصا لأهلك وبلدك وأبناء قومك فمحبة الله من إخلاصك لأولئك الذين يربطهم معك حلف الدم والهدف.
حزنت لما سمعت خبر وفاتك، لكنني ما بكيت، لأنك حيٌ في ذاكرتي، ولأنك في ذاكرة وطننا المهموم:
وطن كنيسة القيامة     
والمسجد القصى        
ووطن محمود درويش 
وتوفيق زياد             
وأبي السعود الاسدي   
أنت لم تمت لأنك مسجل بأنصع صفحات تاريخ شعبنا الفلسطيني المناضل والمكافح من اجل سحب علم استقلال دولته من حلوق شعب إسرائيل.
ومن يدري أن تراب جثمانك ، وأتربة جثامين الشهداء والرموز الفلسطينيين ستكون الاسمدة القوية ، تغذي عقولنا وتشحذ أفكارنا ، لتحقيق أفضل الحقول لزراعة أرقى حياة ينعم بها أحفادنا جيلا بعد جيل؟
فإلى روحك الطاهرة، أقدم خالص التقدير والاحترام ، إلى عقيلتك وأبنائك وإخوانك وذويك ، والى كوادر الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ،الصبر والسلوان ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


(دير الاسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مسمار صدئ في يوم الاستقلال

featured

هل تقود سياسة الحكومة الى تضخم مالي منفلت العقال؟!

featured

مجزرة شفاعمرو.. ذكرى وعبر

featured

ألخطاب المنطقي الجدلي- نقيض خطاب الهيمنة والخطاب السلفي

featured

مجزرة شفاعمرو في القلب والذاكرة

featured

حركة "لنحتل وول ستريت" فرصة لتجديد النقابات اليسارية

featured

كل عام ومدارسنا تصبح مصدرًا للثقافة الحقيقية