كل عام ومدارسنا تصبح مصدرًا للثقافة الحقيقية

single

*اليوم فهمت انني لم أحب المدرسة.. لأنها أرادت لي أن أكون كالجميع... ما يناقض طبيعة الانسان، ولأنها علمتني عن الآخرين قبل أن تعلمني عن ذاتي.. وهذا ايضا يناقض طبيعة الانسان، ولأنها أرادت تصنيفي طوال الوقت... بما يناقض أيضا طبيعة الانسان، ولانها علمتني أن الجميع مهم سواي أنا... ما يناقض كل ما هو انساني..*


بداية القصة... كانت حين لا أدري متى ولماذا قرر أحدهم ان المدرسة شيء مهم جدا.. فإما أن تنصاع  لكل ما يطلب منك هناك وإما فأنت لا تسوى  شيئا...
اليها...  يجب أن تذهب كل يوم.. ويجب أن تلقن مع  40  ولدا وبنتا نصوص اللغات نفسها.. فترات التاريخ نفسها.. مادة المدنيات نفسها.. مادة الهندسة نفسها.. مادة العلوم والتكنولوجيا والرياضيات والبيولوجيا والكيمياء نفسها.. عليك أن تحب كل هذه المواد.. فهي مفيدة جدا جدا.. يجب أن تجلس كل يوم سبع ساعات لتتعلمها.. فان مللت منها تكون "مهملا".. وان رفضتها تكون "مشاغبا" وان ناقشتها تكون "متمردا"...  يجب ان تمتحن بها.. يجب أن تنجح بتفوق.. وإلا.. فستدعى في أحسن الاحوال "مش شاطر" وفي أسوأها "تيس" أو "حمار" -  ولمن ابتعد عن أجواء المدارس،  هذه الاوصاف موجودة حقا، وأن الوصفين "شاطرين" و "تيوس" هما من المصطلحات العادية والدارجة والمستعملة يوميا في المدارس لتقييم الطلاب... نسمعها ونتعامل معها كأنها مصطلحات عادية... لا عجب، فهكذا هو جهاز التربية  - عمل جاهدا  ليجعلنا قطيعا نتعامل مع الامور غير العادية على أنها عادية جدا جدا.
وأنا مثل الجميع ذهبت الى المدرسة لمدة ثلاث عشرة سنهة... في صباح كل يوم كنت أنتشل نفسي من الفراش انتشالا.. أسير الى المدرسة ببطء الذاهبة الى جحيمها.. أنتظر انتهاء الحصص بالدقيقة والثانية.. أصاب بفرحه عند رن جرس نهاية اليوم... أعد الايام المتبقية لحلول الفرصة.. في نومي انحصرت احلامي بين ذهابي الى المدرسة في ملابس النوم فأستفيق مرعوبة.. وبين إغلاق المدرسة لأسباب مختلفة، فأتكربل في لحافي وأغط في نوم هادئ عميق..هكذا كانت أحلامي، لم أعرف أن أحلق بها عاليا عاليا في فضاء السماء وبين النجوم... الدور الخانق الذي لعبته المدرسة في حياتي أبعدني عن ذاتي وعن أحلامي الحقيقية التي أستحقها...
 الأنكى انني حين كنت  أسأل هل تحبين المدرسة – وقد سألت هذا السؤال ألف مرة – كنت أجيب بـ "نعم".... كيف أجيب بغير ذلك  فيعتقدون أنني "تيسة" في المدرسة؟، فأغضب أهلي.. وأخذل أخي.. وأخيب ظن معلماتي.. وأسيء بسمعة مدرستي.. وأخيف مديرها.. وأرعب مفتشها.. وأشمت جاراتنا بأمي.. وأحرج أخواتي... وأخجل خالاتي... وأتعس اعمامي.. وأصدم عماتي... منذ امتحاني الاول فهمت ان كل هؤلاء مهمون جدا جدا.. وإياي  إياي من أحداث الزلازل...
في كل سنوات تعليمي لم يسألني أحد: ماذا يهمك؟ أو ماذا تحبين؟ كيف تشعرين مع هذه المادة او تلك؟ وكيف أسأل وماذا عساني أفهم أنا أمام هذا  المهم الذي قرر قبل مائة سنة ماذا يجب ان نعرف كلنا كلنا؟.
فقط اليوم عرفت أن هذا المهم ليس مهما البتة وانه لا يفهم لا بالتربية ولا بالتعليم ولا بالانسانية ولا بأي شيء مهم.. وأن هذا هو السبب وليس غيره ما جعله يستعمل كل الاساليب القمعية وغير الانسانية  ليثبت انه مهم... وقد صدقناه.. أو أرغمنا على تصديقه...
هذا المهم لم يرد لنا أن نعرف في التاريخ أسباب الحروب العالمية الحقيقية فجعلنا نردد كالببغاء أسبابا تافهة وسطحية.. لا أذكرها.. ولا تهمني.. لأنني لم أتعلم منها شيئا..
ولو ترك لنا حرية استنباط الاسباب الحقيقية للحروبات لأختصرنا طوشا عديدة تحدث بين الجيران والاصحاب والاقارب  والاخوة..  فالاسباب واحدة....
هذا المهم لم يرد لنا أن نعرف سيرًا تاريخية غاية في الاهمية أحدثت انقلابا بالمفاهيم الانسانية والنضالية  كسيرة المهاتما غاندي وتولستوي ومارتن لوثر كنغ وغيرهم... لم يرد لنا لأنه يعرف أن تعاليم الحرية ستنتج احرارا يقضّون مضجعه ومضجع المؤسسة التي يخدمها..
هذا المهم لم يرد لنا أن نعرف أن في العالم لم يحدث دمج أكثر سحرا من دمج كلمات جبران خليل جبران وموسيقى الرحابنة وصوت  فيروز..لم يرد لنا ان نعرف بأن اغنية مثل أغنية "الارض لكم" هي درس خالص  وجاهز في التحرر بنكهة لا تفسر.. وأنه لا حاجة لا  لشرحها ولا لفلسفتها ولا لمعرفة معاني كلماتها وتحليلها وكتابة المغزى منها... فتضيع كما ضاعت نصوص كثيرة...
هذا المهم  لم يرد لنا أن نعرف – ولربما لا يعرف  هو– بأن الثقافة الحقيقية لا تكمن بكمية المواد التي يعرفها الانسان، بل بعمق معرفته لذاته، بقدرته أن يكون حقيقيا، بقدرته أن يكون حرا، بقدرته أن يكون مبدعا، بقدرته أن يكون إنسانيا....
هذا المهم لم يرد لنا سوى الجهل والمزيد من الجهل... فلا يوجد ما يخدم المؤسسة والأسياد كما يخدمها الجهل...
اليوم فهمت انني لم أحب المدرسة.. لأنها أرادت لي أن أكون كالجميع... ما يناقض طبيعة الانسان، ولأنها علمتني عن الآخرين قبل أن تعلمني عن ذاتي.. وهذا ايضا يناقض طبيعة الانسان، ولأنها أرادت تصنيفي طوال الوقت... بما يناقض أيضا طبيعة الانسان، ولانها علمتني أن الجميع مهم سواي أنا... ما يناقض كل ما هو انساني..
اليوم فهمت ما قاله اينشطاين يوما "لقد كنت مضطرا لترك المدرسة كي أستطيع التعلم"... أحببت هذه الجملة منذ  زمن.. لم أفهمها ولم أفهم سبب اهتمامي بها إلا بعد أن عرفت أن أهم ما تعلمته تعلمته وحدي، وأن الاهم لم يأتِ بعد.. وأنه لن يأتي عبر المؤسسات..أو على الاقل لن يأتي عبر مؤسسات اليوم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

درس الذكرى لهذا العام

featured

حرب إسرائيل المجنونة على غزة

featured

ألجرائم المقترّفة تطالب الحكام بعطلة طويلة الامد

featured

السلام الاقتصادي أكثر جدوى في الدوحة

featured

طحّان ما بغبّر عكلاّس

featured

"سيف المراجل حكم"

featured

الأقليات في العالم وصون حقوقها- الألمان في ايطاليا

featured

قيّدوا إيران، لنفكّ أسر فلسطين!