*مقدمة*
يشهد العالم في العقد الأخير ازدياد النقاش حول الأقليات وحقوقها في العالم. ولا شك إن هذا الأمر مرتبط إلى حد ما بتوسع نشاط العولمة وانحسار الدولة القومية. من جهة أخرى فان المؤسسات الدولية تزيد من نشاطها وتفاعلها مع الأقليات والسكان الاصلانيين حيث أقرت الأمم المتحدة مؤخرا إعلانا جديدا بشأنهم.
هذا المقال هدفه الاطلاع على أوضاع الأقلية الألمانية في ايطاليا حيث حصلت هذه الأقلية على حكم ذاتي وحقوق كاملة في إقليم جنوب تيرول. ويعد هذا النموذج من ارقي نماذج التعامل مع الأقليات في العالم.
ويتحدث المواطنون هناك عن تجاوز جميع مشاكلهم وخاصة الاجتماعية والاقتصادية منها بعد أن اختار السكان هناك، الألمان والايطاليين، الديمقراطية التوافقية وسياسة تفضيل ايجابي لمنطقة جنوب تيرول في ايطاليا.
*جنوب تيرول في ايطاليا*
تعد منطقة جنوب تيرول من أكثر المناطق الاستراتيجية أهمية في أوروبا. فهي جزء من سلسلة جبال الألب وطبيعي أن ترى ايطاليا في هذه الجبال حدودها الطبيعية الشمالية. من جهة أخرى فان معبر برينر الشهير والذي يوصل أوروبا ببعضها البعض يمر فيها.
يسكن الإقليم حوالي نصف مليون نسمة منهم 70% من أصول ألمانية ،25% ايطاليون والباقي اقلية صغيرة تسمى اللادن أما مساحة الإقليم فلا تتعدى الـ 740 كم. وتعتبر مدينة بولتسانو والبالغ عددها مئة ألف نسمة عاصمة الإقليم ويعتاش سكان الإقليم بالأساس من السياحة والزراعة. وتعد المنطقة من أشهر المواقع السياحية في أوروبا حيث يؤمها سنويا أكثر من خمسة ملايين سائح يقضون ما معدله 27 مليون ليلة في فنادق الإقليم. ولا تعاني المنطقة من مشاكل اقتصادية خاصة حيث أن نسبة البطالة فيها الأكثر تدنيا في أوروبا وفي نفس الوقت فان معدل دخل الفرد السنوي 32000 يورو وهو من اعلى المعدلات ليس فقط في ايطاليا وأوروبا بل في العالم اجمع.
ويعتمد المواطنون في إقليم جنوب تيرول اليوم الدمقراطية التوافقية في تعاملهم. وهناك إعلام مسموع ومكتوب في اللغات جميعها. وتتمثل المجموعات اللغوية الثلاث في برلمان الإقليم والبالغ عدد أعضائه 35 عضوا. وهناك 11 وزيرا للإقليم منهم 8 ألمان، ايطاليان وأخر من اللادن. هذه التوليفة تعكس التركيبة الديموغرافية للإقليم ويتكلم كل وزير بلغته.
*خلفية تاريخية*
يعود التاريخ الحديث لإقليم جنوب تيرول إلى نهاية الحرب العالمية الأولى حيث كان هذا الإقليم حتى ذلك الحين جزءا من منطقة تيرول في الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية. في العالم 1919، تم توقيع اتفاقية السلام سانت جيرمان وكجزء من نتائج الحرب تم بموجبها اقتطاع الجزء الجنوبي من تيرول وضمه إلى ايطاليا المجاورة الأمر الذي تم التصديق عليه دوليا.
سكان هذه المقاطعة من الألمان واللادن والبالغ عددهم 220,000 نسمة وجدوا أنفسهم اقليتين لغويتين في دوله جديدة هي ايطاليا. وقد قام ملك ايطاليا فيترو عمانوئيل الثالث بإتباع سياسة لبراليه اتجاه الاقليتيين شملت منحهما حرية العمل والتنظيم في مدارسهم ومؤسساتهم عن طريق منحهم حكما ذاتيا خاصا. وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت في العام 1921 تمثل السكان الألمان بأربعة مقاعد في البرلمان الايطالي. هذه العلاقة بين الاقلية الالمانية والنظام الايطالي انتهت بصعود الفاشية إلى سدة الحكم في ايطاليا في أكتوبر 1922.
ومنذ بداية حكمه قام النظام الفاشي بتشديد قبضته على الاقلية الالمانيه وإبطال كل المكتسبات التي حققها من خلال الحكم الذاتي. فقد تم إغلاق المدارس الالمانيه ومنع الألمان بدراسة لغتهم أو استعمالها وتم تغيير أسماء الشوارع والقرى والمدن في إقليم جنوب تيرول الايطالية وشمل ذلك عمليه أطلنه الإقليم في كل جوانب الحياة.
وشجع النظام الفاشي الايطاليين إلى ألهجره والسكن في الإقليم من اجل تغيير الميزان الديموغرافي هناك. ولتحفيز الايطاليين على ألهجره إلى الإقليم فقد قام النظام الفاشي بتصنيع مدينه بولتسانو، المدينة الرئيسية في الإقليم.
لقد شكل صعود هتلر والنازية في ألمانيا في العام 1933 مصدر أمل عند الألمان سكان إقليم جنوب تيرول. هذا الأمل سرعان ما خاب حيث سلم أولويات أدولف هتلر هو بناء تحالف مع النظام الفاشي في ايطاليا حتى بثمن التنازل عن 200،000 ألماني هم سكان الإقليم آنذاك. في العام 1939 تم الاتفاق بين النظامين، النازي الألماني والفاشي الايطالي، بإعطاء حق الهجرة للألمان سكان الإقليم والانضمام للرايخ الألماني أو البقاء على أرضهم تحت سلطة النظام الفاشي الايطالي بدون حقوق لغويه أو غيرها. وبالفعل فقد هاجر إلى ألمانيا حوالي 75،000 من سكان الإقليم حيث رجع قسم كبير منهم إلى ايطاليا مع انتهاء الحرب العالمية الثانية واستسلام موسوليني ونظامه الفاشي والقضاء على النازية الألمانية.
ومع أن سكان الإقليم الألمان طالبوا بالانفصال عن ايطاليا والانضمام إلى البلد الأم- النمسا- إلى إن الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية: الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة، فرنسا وايطاليا قرروا إبقاء جنوب تيرول جزءا من ايطاليا وضمان احترام الأقلية الألمانية في الإقليم وحقوقها اللغوية.
وقد اتفقت الدولتان، ايطاليا والنمسا، في العام 1946 من خلال معاهدة دغسباري – غروير، احترام الأقلية الألمانية في الإقليم. هذه المعاهدة والمعروفة " باتفاق باريس " كانت الأساس لإقامة حكم ذاتي ضمن احترام اللغة الألمانية ومكانتها والمواطنين الألمان هناك من خلال استعمال اللغة الألمانية وإرجاع الأسماء الألمانية إلى الشوارع ومدن الإقليم وحق الأقلية في التنظيم والحصول على الموارد الاقتصادية. وقد عارض السكان الألمان ضم الإقليم المجاور ترينيتو والذي يسكنه الطليان إلى حكم ذاتي مشترك حيث أصبح الألمان حسب هذا التقسيم الإداري الجديد اقلية في إقليم ترينيتو- جنوب تيرول.
والجدير بالذكر ان النقاش بين الحكومة الايطالية والأقلية الألمانية حول مدى وصلاحيات الحكم الذاتي في جنوب تيرول وصل إلى أروقة الأمم المتحدة والى محادثات ثنائية بين ايطاليا والنمسا.
*بين وضع الأقلية الألمانية في ايطاليا والأقلية العربية في إسرائيل*
ان أكثر ما يلفت النظر هو طريقة وسبل النضال والخطاب الذي يستعمله أبناء الأقلية الألمانية في ايطاليا. فبدل الخطاب القومي والتركيز على أن الإقليم ثنائي القومية تتكلم الأقلية الألمانية هناك عن مجتمع ثنائي اللغة وتؤمن إن الحكم الذاتي وقضايا وحقوق الأقلية هو قضية ديناميكية وبحاجة لصيرورة زمنيه. إن مكتسبات هذه الأقلية جاءت أولا من خلال وحدتها حيث يصوت غالبية أفراد الأقلية محليا لحزب واحد يركز جل اهتمامه على قضايا الأقلية الألمانية في ايطاليا .
لا شك أن وضع الأقلية العربية في إسرائيل مركب. هذا الوضع هو نتائج كون ايطاليا ليست إسرائيل، ليس بتاريخها ولا بتعريفها أو بنظامها. فالنظام الايطالي يقوم على الدمقراطية الليبرالية وفي نفس الوقت إعطاء الأقليات حقوق حماية فوق أرضها ويساعد في ذلك كون ايطاليا دولة مناطقية (مركب من مناطق إداريه مختلفة) ولا تعرف نفسها كدولة مسيحية كما تفعل إسرائيل بتعريفها نفسها كدولة يهودية واستثمار ذلك في بنائها المؤسسات وفي سياستها .
من جهة أخرى فان الخطاب السياسي العربي والذي يتصاعد أحيانا بالمطالبة بتغيير ماهية الدولة اليهودية يفهم على يد الغالبية اليهودية كخطاب ندي ومناكف يعقد إمكانية المساواة وبناء مجتمع مشترك ودولة مشتركه لليهود والعرب في إسرائيل؟ من جهتنا نحن العرب باستطاعتنا التركيز على المطالبة في المساواة التامة والحقوق الفردية والجماعية للأقلية العربية في إسرائيل وبذلك نرمي الكره في ملعب الأكثرية اليهودية دون اتهامنا بمحاولة "ضعضعة الكيان اليهودي الوحيد في العالم" أو" عدم قبول قرارات الأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين" : نعم لنا حقوق قوميه في هذه البلاد ولن نساوم عليها ولكن هل نتعلم من خطاب الأقلية الألمانية في ايطاليا وطرق نضالها لنصل إلى مستقبل أفضل في إسرائيل مع علمنا التام إن لكل شعب ودولة خصوصياتها .
إن المطالبة الإسرائيلية بالاعتراف بدولة يهودية في لقاء انابوليس من شأنه المس بمكانة الأقلية العربية في إسرائيل. من جهة أخرى فان مطالبة كهذه تدفع في اتجاه تدويل قضية الجماهير العربية في إسرائيل حيث الحاجة إلى الدفاع عن حقوقهم كأقلية مثل كل الأقليات في العالم. أن الجمود القائم في وضع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل ومكانتها يحتم علينا دراسة وضع الأقليات في الدول المختلفة وإمكانية الاستفادة من تجاربها.
