ألخطاب المنطقي الجدلي- نقيض خطاب الهيمنة والخطاب السلفي

single

بما ان الحضارة، هي البناء القوي للمجتمع، فمن الطبيعي ان تكون حضارة المجتمع الاقوى إقتصاديا والذي يملك البنية المادية الاكثر تطورا، وان يكون ميزان القوى لصالح تلك الحضارة، وان تكون تلك الحضارة مركز العلوم والمعارف والإعلام وتمتاز بقوة المؤسسات العلمية والثقافية والسياسية، وميزان القوى هذا في عالمنا المعاصر، من الطبيعي ان يكون لصالح المجتمعات الرأسمالية المتطورة خاصة في اعلى مراحل تطورها اي العصر الإمبريالي وابشع تجلياته العولمة المتوحشة والسوق الحرة، وسيطرة الشركات العابرة للقارات، والتي تستنزف وتسرق وتنهب خيرات شعوب العالم، وتدفعها نحو الفقر والفشل الإقتصادي ونتيجة لذلك التأخر العلمي والثقافي والحضاري والصحي، ولذلك إستطاعت تلك الحضارة الغربية كبناء فوقي، ترتكز على اساس مادي إقتصادي متطور، وان تعطي الاطراف الحضارية، في إفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية اقل مما تستحق، وان تأخذ اكثر مما تستحق. واصبحت حضارات الاطراف، اي حضارات شعوب العالم وخاصةً في الشرق خارج المركز، اي خارج حضارات امريكا واوروبا، سجينة لحضارة المركز- غرب، لا بل وُضِعت على هامش الحضارة المسيطرة. واستطاع المركز إقامة صور ذهنية نمطية، صاغها بشكل صور كاريكاتيرية، لكي يَسهُل من خلال مفاهيم عنصرية شوفينية تستند على ديماغوغية صراع الحضارات لإيجاد المبرر "الشرعي" والدمقراطي للقضاء على حضارات الاطراف، وخاصةً في الشرق. وفي نفس الوقت نسج المركز لنفسه إستنادا على قوته الإقتصادية والمادية والحضارية خدمة لمصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة وعولمتها المتوحشة صورا جميلة وردية مثالية مثل "العقلانية، "الإنسانية، "الحرية، "النيوليبرالية"، والعلم والتقدم مقابل حضارات الشعوب الاخرى في إفريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية التي لا تعرف سوى الخرافة والسحر والالهيات وهذه هي المفاهيم الرافضة المهمشة للآخر، والتي ترفض تاريخ وحضارة الآخر مسيطرة على الاغلبية الساحقة للمجتمع الإسرائيلي والذي يتغذى ويشرب ويتنفس من الإعلام الإسرائيلي والغربي، مفاهيم الحضارة اليهو- مسيحية الغربية والتي ترى بالقضاء على حضارات شعوب الشرق كأمر حتمي وكرسالة تاريخية لا مفر منها، ولذلك تقبّل الشعب في إسرائيل بغالبيته جرائم حكوماته المتتالية منذ إقامة الدولة وآخر هذه الجرائم جريمة الحرب على غزة، وكأن الامر ضروري ولا مفر منه بل يخدم امن وبقاء إسرائيل.
وكرد فعل من قبل حضارات الطراف وكنتيجة للوضع الإقتصادي الصعب وضعف الاطراف العلمانية والمؤسسات الثقافية والسياسية والإجتماعية، تكونت صورة ذهنية عند شعوب وحضارات الاطراف غير موضوعية إتهمت حضارة المركز بالإباحية والإلحاد والرفض المطلق لحضارة المركز بما في ذلك إيجابياته العلمية والثقافية والسياسية بما في ذلك الفكر التقدمي اليساري، مما دفع فئات شعبية واسعة ان تتقوقع وتتبنى مفاهيم سلفية رجعية بل الدعوة إلى فرض الشريعة وإنزال الدين إلى ارض الصراعات السياسية، والتي تخدم في النهاية القوى الرجعية في العديد من دول الشرق والتي تسمح ببقاء بل خلق نظم تيوقراطية، تتبنى ربط السياسة بالدين وتساعد على بقاء انظمة الاستبداد في العالم العربي، وآسيا.
إلى جانب هذا هناك جماهير شعبية واسعة في امريكا واوروبا والتي وقعت تحت تأثير الإعلام الغربي الرسمي اليهو-مسيحي والتي ايضا تعاني من آثار السياسات الإستعمارية الجديدة، والتي تفهم الحقيقة كإقتناع يمكن المطالبة به، وإقتضائه، حتى من الآخر بإعتباره حقيقة مطلقة، وهذا التملك المطلق للحقيقة وبوجه عام حتى في الغرب، له اساس ديني وتبريرات دينية يُفرض على الآخر من خلال القوة والإستبداد والإبتزاز والإحتلال كما يحدث في العراق وفلسطين، وفي مناطق اخرى من العالم.
ولكن الحقيقة غير مطلقة وهي دائما نسبية وفقط من خلال خطاب وإعلام وثقافة تمارس الخطاب المنطقي (لوغوس LOGOS) والذي بإستطاعته ان ينتج حقائق إستدلالية تبني ولا تهدم، تدفع إلى الامام ولا تخدم العودة إلى الوراء، تتفاعل مع التقدم والتطور وتقبل الآخر، وبفكر جدلي نستطيع ان نبني الجسور بين الشعوب والحضارت الإنسانية المختلفة، من اجل مجتمع إنساني اكثر عدالة واكثر إنسانية يبني للمستقبل دون العودة إلى السلفية والخرافات، ودون فرض الهيمنة وامركة العالم. فهل ستتبنى الإدارة الامريكية الجديدة برئاسة اوباما السياسة والخطاب المنطقي بديلا لخطاب الهيمنة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إلى رؤساء بلديّاتنا .. العنصر الخامس

featured

وقف العدوان يفترض فينا إنهاء انقسامنا

featured

طز في هيك تعايش

featured

رسالة لحكام الخيانة والذل في أنظمة الحكم العربي

featured

CIA تفضح اسرائيل و"النصرة"

featured

قمة عدم الانحياز في شرم الشيخ: الوزن النوعي لهذه المجموعة في ارجوحة المتغيرات الدولية

featured

مجزرة دمشق والمعايير المزدوجة