اجتمعت في منتجع شرم الشيخ المصرية، يوم الخميس الماضي، في السادس عشر من شهر تموز الحالي، الدورة الخامسة عشرة لقمة مجموعة دول عدم الانحياز، وبمشاركة اكثر من خمسين رئيس دولة وحكومة. وشارك مندوبون من مئة وثمانية عشر بلدًا، اضافة الى الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وبغياب الرئيس محمود احمدي نجاد الايراني وبشار الاسد السوري عن المشاركة في هذه القمة، وعقدت هذه القمة تحت شعار "التضامن الدولي من اجل السلام والتنمية " الذي يعكس ويجسد معاناة هذه المجموعة وجرحها النازف في غياب اجواء ومناخ الاستقرار والسلم والظروف المناسبة لتنمية اقتصاد وتطور بلدانها.
يلاحظ ان هذه القمة بابحاثها ومداولاتها وما تمخض عنها من بيان ختامي،لم تحظ باهتمام عالمي كاف،ولا بتغطية اعلامية كافية، الامر الذي يطرح السؤال الجوهري حول حقيقة الوزن السياسي النوعي كاف لتغطية اعلامية كافية، الامر الذي يطرح السؤال الجوهري حول حقيقة الوزن السياسي النوعي لهذه المجموعة الدولية ومدى تأثيرها عالميًا في ظل ارجوحة المتغيرات الدولية وما افرزته من مستجدات!
*طابع الهوية ومتغيراتها:
لقد مضى على تأسيس وبلورة مجموعة دول عدم الانحياز اكثر من اربع وخمسين سنة، حيث عقد المؤتمر الاول التأسيسي في باندونع الاندونيسية سنة 1955، في ظل انهيار الامبراطورات الاستعمارية البريطانية والفرنسية واستقلال الكثير من البلدان المستعمرة في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وعمليا فقد تأسست هذه المجموعة في ظروف "الحرب الباردة" والصراع بين المعسكرين الدوليين، المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الامبريالي بقيادة الامبريالية الامريكية، كما تبلورت هذه المجموعة في ظروف تصاعد موجة حركة التحرر القومي والوطني ونهوضها، بقيادة ابطال وزعماء حركة التحرر القومي المشهود له في وطنيتهم الصادقة خدمة لتطور بلدانهم حضاريا ولخروج من مهاوي التخلف الاقتصادي والثقافي الذي اورثته الحقبة الاستعمارية السوداء لبلدانها ، ففي مركز قيادة حركة التحرر العالمية برزت كوكبة من المناضلين امثال الرؤساء خالدي الذكر، جمال عبد الناصر وجواهر لال نهرو الهندي وجوزيف تيتو اليوغسلافي واحمد سوكارنو الاندونيسي ونكروما وغيرهم، وعند تأسيس هذه المنظمة، اتخذت اسما لها،مجموعة دول "الحياد الايجابي" لتحديد موقعها من الصراع الدائر بين المعسكرين الاشتراكي والامبريالي وعلى اساس" نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا" كما كان يردد الرئيس الراحل خالد الذكر جمال عبد الناصر، فموضوعيا كانت معركة الدول النامية هي التي كسرت قيود العبودية الاستعمارية، وعززت قواعد استقلالها السياسي لمواجهة التخلف الاقتصادي، مما بلوّر طابعها المعادي للامبريالية، ولمواجهة الغبن اللاحق بها من جراء التمييز الصارخ ضدها، في اطار التقسيم العالمي الرأسمالي للعمل، وقد وجدت هذه المجموعة في الاتحاد السوفيني والبلدان الاشتراكية سندًا لها في معركة التحرر الاقتصادي والتحولات الاجتماعية عميقة الجذور التي تخدم مصالح شعوبها ولايمكن انكار دور المساعدة السوفييتة والاشتراكية في بناء وتطور القواعد الصناعية والزراعية في مصر والهند والجزائر وغانا وغيرها وفي بناء وتطوير القوة الدفاعية العسكرية لعدد من بلدان دول عدم الانحياز لمواجهة المخططات العدوانية الامبريالية والاسرائيلية،ودعم حركات التحرر الوطني في كل مكان ماديا وعسكريا وبضمنها دعم الكفاح العادل للشعب العربي الفلسطيني من اجل التحرر وانجاز حقوقة الوطنية بتقرير المصير،حقه في الدولة والقدس والعودة.
ولهذا يمكن التأكيد انه في ظل وجود الحليف الاستراتيجي المبدئي لحركة التحرر الوطني العالمية، الاتحاد السوفيتي والبلدان
الاشتراكية، كان لمجموعة دول عدم الانحياز وزنها النوعي والكمي السياسي المؤثر في صياغة القرارات الدولية وفي المعركة لاقامة نظام اقتصادي عالمي جديد اكثر عدلاً وانصافاً للبلدان النامية.
لقد كان انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي والانظمة الاشتراكية في اوروبا الشرقية، بمثابة ضربة مأساوية موجعة لحركة التحرر الوطني العالمية ولمجموعة دول عدم الانحياز ولمختلف قوى التقدم عالميًا.
فعلى خلفية هذا الانهيار العاصف ازدادت الشهوانية العدوانية للقوى الامبريالية، وبرزت اكثر الانياب المفترسة للطابع الوحشي الجشع للعولمة الرأسمالية من خلال هيمنة القطب الامبريالي الامريكي خصوصا في ظل ادارة بوش واليمين المحافظ، استراتيجة حق القوة والبلطجة العدوانية لفرض الهيمنة الامريكية كونيا ونهب ثروات وخيرات البلدان الاخرى،واتخذ الصراع الطبقي اشكالا ابرزها ما يظهر على السطح بين الدول الصناعية والرأسمالية عالية التطور، دول الشمال التي تحتكر منجزات الثورة العلمية التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة، واخطبوط احتكاراتها عابرة القارات ومتعددة الجنسيات، لتصعيد جرائم استغلالها للبدان النامية وابقائها تعاني في مهاوي التخلف والفقر والمجاعة، كما برز ايضًا انه بغياب الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي لا ينعم العالم في ظل النظام الرأسمالي العالمي بالاستقرار والامن والسلام، بل يواجه جرائم ترتكبها الامبريالية بحق الشعوب والبلدان النامية، فالقوى الامبريالية بقيادة الامبريالية الامريكية وراء اشعال وتفجير الفتن والصراعات القومية والاثنية والقبلية في العديد من البلدان النامية في افريقيا وآسيا واثقال كاهل شعوبها بتحويل بلدانها. لخيانة انظمتها المدجّنة، الى سوق للاسلحة والى سوق استهلاكية للبضائع والسلع الجاهزة من الدول الصناعية الامبريالية.
واذا كانت القاعدة الخلفية لقيام المجموعة دول عدم الانحياز قبل اربع وخمسين سنة هو انهيار الامبرطوريات الاستعمارية وتحرر الشعوب واستقلال البلدان المستعمرة سياسيًا، فان الظروف الراهنة وبعد اربع وخمسين سنة، تعقد الدورة الخامسة عشرة لقمة دول هذه المجموعة في شرم الشيخ المصرية، تشير الى ان هذه القمة تعقد في ظل الازمة المالية الاقتصادية المدمرة، التي يواجهها النظام الرأسمالي العالمي وتجتاح مختلف محاوره واقطابه الرئيسية في الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي واليابان وغيرها، وتعاني البلدان النامية وغالبية دول شعوب مجموعة عدم الانحياز اكثر من غيرها من اسقاطات هذه الازمة فهل كانت قمة شرم الشيخ بما تمخض عنها من قرارات ترتفع الى مستوى مواجهة التحديات المطروحة؟
* لايكفي وضع الاصبع على الجرح!
لا شك ان ترأس كوبا لمجموعة دول عدم الانحياز خلال السنوات الثلاث الماضية قد أسهم كثيرًا في طرح قضايا هذه المجموعة الصارخة بطابعها المناهض للغبن التميزي الامبريالي في ظل هيمنة الطابع الوحشي للعولمة الرأسمالية الخنزيرية، وقد وضع الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، من خلال خطابه في افتتاح قمة شرم الشيخ، وقبل ان يتسلم الرئيس حسني مبارك الراية لرئاسة مصر لهذه المجموعة، وضع كاسترو الاصبع على الجرح النازف، فقد دعا كاسترو الى " اقامة نظام مالي اقتصادي دولي جديد اكثر عدلاً، وان الازمة المالية العالمية الراهنة، كان مصدرها دول الشمال الصناعية الا ان الدول النامية كانت الاكثر تأثرًا". ولمواجهة هذا الوضع المأساوي اكد راؤول كاسترو انه علينا "ان نطالب بتأسسيس هيكل مالي اقتصادي جديد يستند على مشاركة فعلية لجميع الدول وخاصة الدول النامية، فالازمة الحالية لا تحل بحلول تجميلية تحاول الحفاظ على النظام الاقتصادي الحالي، الذي يفتقر الى العدل وانما الحل يمر بالضرورة عبر اعادة هيكيلية النظام المالي والنقدي الدولي"! فهل تمحورت ابحاث المؤتمر حول الاجراءات التي يمكن اتخاذها للاسهام في المعركة لبلورة نظام مالي اقتصادي عالمي جديد اكثر عدلاً ودمقراطية وانصافاً للدول النامية؟ برأينا ومن خلال متابعتنا لمداولات قمة شرم الشيخ فان المشاركين في خطاباتهم وفيما تمخض عن القمة من موقف اقتصر على قضية التنمية واقامة نظام مالي اقتصادي عالمي جديد من تزويد الحاجة لاقامةمثل هذا النظام ،وضع الاصبع على الجرح دون بلورة" مقترحاته حول اجراءات يمكن اتخاذها تسهم في اقامة نظام اكثر عدلاً، ولا يغير من هذه الحقيقة الطلب من الدول المانحة والغنية من تقديم الدعم المادي، وخاصة للدول الافريقية التي تعاني العديد من بلداها وشعوبها من الانياب المفترسة للمجاعة والفقر والتخلف الاقتصادي والثقافي، كما لا يغيّر من هذه الحقيقة موقف الرئيس الليبي معمر القذافي واقتراحه باقامة مجلس امن من دول المجموعة بديلا لمجلس الامن الدولي الذي يتجاهل ولا يخدم مصالح بلدان عدم الانحياز بل يعاديها.
برأينا ان قمة دول عدم الانحياز في شرم الشيخ لم تجسد المدلول السياسي الحقيقي لشعار" التضامن العالمي من اجل السلام والتنمية" الذي يجب ان يعكس العلاقة الجدلية الوثيقة بين النضال من اجل السلام ومن اجل التنمية، فقد طغى على المؤتمر طابع اطفاء حرائق النزاعات القائمة، دون الاشارة الجدية الى العوامل الاساسية لاشعالها وتفجيرها وادانة المجرم الحقيقي.. الامبريالية وعملائها الذين يتحملون مسؤولية زرع الفتن وتأجيج الصراعات القبلية والعرقية والدينية والحروب بين بلدان الهم الواحد.ففي المؤتمر برزت محاولات اطفاء حرائق النزاع بين الهند وجارتها الباكستان، بين قطروايران حول الجزر الثلاث في الخليج الفارسي وبين الصراعات الدموية حول دارفور في السودان، اوالصراعات في الصومال ونيجيريا وتشاد واثيويبيا وارتيريا والمغرب والجزائر والبوليسادير ودعم القضية الفلسطينية والحق الفلسطيني بالتحرر والدولة والقدس والعودة وادانة جرائم الاحتلال الاسرائيلي وبناء جدار الظلم والعزل العنصري دون ادانة الدعم الامبريال الامريكي للعدوانية الاجرامية للممثل الكولونيالي الاسرائيلي.
برأينا ان الوزن النوعي السياسي العالمي لهذه المجموعة قد انخفض سقف تأثيره على ساحة التطور والصراع العالمية وذلك لعدة اسباب، اهمها : عدم تجانس مواقف انظمتها من قضايا هذه البلدان المارقة، الاقتصادية والسياسية، فبعض الانظمة مدجنة في الحظيرة الامريكية ولا تملك صلاحية صياغة القرارات في نهاية المطاف، اذ تبقى العصمة بايدي اسيادهم الامبرياليين، ولكن رغم ذلك تبقى لهذه المجموعة اهميتها، خاصة وان الانظمة المناهضة للامبريالية يزداد وزنها النوعي والكمي المؤثر داخل مجموعة دول عدم الانحياز وعلى الحلبة الدولية امثال الصين وكوبا وفنزويلا وايران وسوريا وبوليفيا ونيكاراغوا وليبيا والجزائر وغيرها، كما ان لغياب السند الاستراتيجي والعمق الاستراتيجي لهذه المجموعة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان له الاثر السلبي كما ذكرنا على مكانة ودور هذه المجموعة على الحلبة الدولية
اننا وبحلول الذكرى السنوية السابعة والخمسين المصرية، لثورة 23 يوليو 1952، بقيادة خالد الذكر الرئيس جمال عبد الناصر، فان شعوب وبلدان مجموعة دول عدم الانحياز وجميع احرار العالم تكن لهذا القائد العظيم كل الاحترام والتقدير لدوره القيادي البارز كزعيم لحركة التحرير القومي والوطني العربية والعالمية في نضالها من اجل التحرر من قيود الاستغلال الامبريالي ودفع مسيرتها في التطور الحضاري. وللاسف فالشعب المصري وشعوب البلدان النامية لا تعزي نفسها بمقولة"خير خلف لخير سلف" ففقدان الرئيس جمال عبد الناصر قد خلفه نظام الردة الخيانية الساداتية، الخنجر المسموم في قلب المصالح الحقيقية للشعب المصري ولحركة التحرر والتقدم العالمية. ونظام حسني مبارك يواصل نهج السادات المتواطئ مع الامبريالية الامريكية ليس نظام عبد الناصر باندونغ التحرر بل مبارك عرّاب الاستراتيجية الامريكية في المنطقة.
