هل بالإمكان تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية دون حروب كبيرة؟ (الجزء الثاني)

single

إذا كان إنقاذ النظام الرأسمالي يتطلب حربًا على طريقة الأربعينيات فأصحاب القرار الاقتصادي الكبار لن يترددوا في الاختيار

وهكذا نرى أن الاقتصاد الرأسمالي، وهنا نتحدث عن الحالة الأميركية في هذا الظرف، قد يحقق الانتعاش في فترات الحروب. وليس ذلك الحال دائمًا. فحروب بريطانيا المتتالية في أواخر القرن التاسع عشر (حربا الـ"بووير" في جنوب افريقيا) وأوائل القرن العشرين (الحرب العالمية الأولى، ثم الثانية) هي التي قادت، الى حد كبير، الى تدهور وضعها الاقتصادي، وبالتالي السياسي.
وجدير بالتذكير هنا أن مستشار ألمانيا الذي تولى زمام الحكم فيها في مطلع العام 1933، أدولف هتلر، اتبع سياسة تنمية داخلية سريعة شبيهة الى حد ما بما قام به روزفيلت في الولايات المتحدة، من خلال تحديث وتطوير البنى التحتية في ألمانيا، الى جانب تطوير الصناعة، بما في ذلك الصناعات العسكرية، التي تم توظيفها في سياق مشاريعه للتوسع العسكري، التي حاول من خلالها تحويل بلده الى دولة عظمى، فانتهت الأمور الى ما انتهت اليه بالهزيمة المعروفة في العام 1945.

 

* مخاطر "المجمع العسكري الصناعي"


ولا بد هنا من التذكير، في سياق الحديث عن العلاقة بين الصناعات العسكرية والحروب، بإشارة مثيرة قام بها رئيس أميركي آخر، هو دوايت أيزنهاور (1953-1961)، في خطاب وداعي له قبل ثلاثة أيام من تسليم دفة الحكم الى خلفه، في مطلع العام 1961، حين تحدث عن قلقه من تنامي دور ما أسماه هو نفسه "المجمع العسكري الصناعي" في الحياة السياسية الأميركية بعد الحرب العالمية، وما يمكن أن يجلبه ذلك من خطر على الديمقراطية في الولايات المتحدة.
وأهمية حديث أيزنهاور الشهير هذا ترتكز الى انه لم يكن، بالأساس، رجلا مسالمًا وليبراليًا (بالمعنى السياسي للكلمة). فهو كان، أصلا، قائدًا عسكريًا: فهو كان أحد كبار قادة الجيش الأميركي في أوروبا ابان الحرب العالمية الثانية، وهو كان القائد العسكري لقوات الحلفاء في عملية الانزال الشهيرة في مقاطعة نورماندي في فرنسا في حزيران العام 1944، والتي كانت آنذاك واقعة تحت الاحتلال الألماني النازي، وهي العملية التي لعبت دورًا مهمًا في الاطباق على القوات الألمانية والتقدم من الجنوب الغربي نحو ألمانيا، بعد أن كانت القوات السوفييتية قد وجّهت منذ مطلع العام 1943 سلسلة من الضربات للجيش الألماني الذي كان قد غزا أراضيها، فطردته منها وطاردته، من الشرق، الى أن انتهت بدخول ألمانيا وعاصمتها برلين في مطلع العام 1945.
وخلال ولايتيه الرئاسيتين، اللتين جاءتا في حُمّى "الحرب الباردة" مع الاتحاد السوفييتي، ترك أيزنهاور سجلا حافلا بعمليات التورط في الحروب العدوانية في أنحاء العالم، بما في ذلك بداية التورط الأميركي في فيتنام، بعد هزيمة فرنسا هناك، حيث عملت واشنطن على منع إعادة توحيد البلد في العام 1956، عملا باتفاقية جنيف للعام 1954. كما جرى في عهده التدخل في إيران للاطاحة بحكومة محمد مصدّق الوطنية الاستقلالية العام 1953، وكذلك جرت الاطاحة بنظام هاكوبو أربينس اليساري في غواتيمالا (أميركا الوسطى) في العام 1954، والعديد من "الانجازات" الشبيهة الأخرى، ومن بين أشهرها المشاركة مع بلجيكا في تصفية رئيس حكومة الكونغو المستقل حديثًا، آنذاك، الوطني الاستقلالي باتريس لومومبا، في مطلع العام 1961.
ومن هذا الموقع، يأتي تحذير أيزنهاور من تنامي نفوذ المجمع العسكري الصناعي كشهادة شاهد من أهل البيت على واقع بات بالنسبة له مرئيًا وملموسًا، ليس فقط على المسرح العالمي، حيث كان هذا التنامي جزءًا من الاستراتيجية الرسمية المعتمدة، وإنما داخل الولايات المتحدة نفسها.
والسؤال الذي يطرح نفسه في سياق الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة هو إذا ما كانت الوسائل التقنية والمالية "الهادئة" التي تتبعها الآن حكومات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها من دول العالم المتطورة صناعيًا ستكون كفيلة بإخراج كل هذه الدول، والعالم بمجمله، من الأزمة الطاحنة، التي لا يرى أحدٌ حتى الآن متى يمكن أن تنتهي.

* ركود أم كساد؟


فهذه الأزمة الاقتصادية الكبرى، التي انطلقت من الولايات المتحدة، كما ذكرنا، هي أزمة عميقة وشاملة وواسعة النطاق وغير سهلة التجاوز. ومع أن الكلمة المستخدمة حتى الآن في وصف الأزمة الحالية هي كلمة "ركود"، (ريسيشن بالانكليزية)، فإن بعض الاقتصاديين لم يعد يتردد في التشبيه مع أزمة الثلاثينيات الماضية، التي أُطلق عليها تعبير أقوى هو الـ "كساد"، (ديبريشن بالانكليزية) ، أو "الكساد الكبير"، "ذي غريت ديبريشن". وقد ذهب رئيس صندوق النقد الدولي الحالي، دومينيك ستروسكان، وهو فرنسي (وعضو قيادي في الحزب الاشتراكي الفرنسي)، في مجال تظهير خطورة الأزمة الراهنة، الى إطلاق تعبير "الركود الكبير"، "ذي غريت ريسيشن" بالانكليزية، في وصفٍ لحجمها، وذلك في تصريح له في آذار الماضي.
وفي كل الأحوال، فإن التفاؤل الحذر للرئيس الأميركي أوباما بإمكانية تجاوز الأزمة في وقت قريب نسبيًا لا يشاطره إياه العديد من الاقتصاديين الذين يرون أن حجم الدين المتراكم على الدولة الأميركية، حوالي 11 تريليون دولار، أي 11000 مليار دولار، تصعب تغطيته في أي أمد منظور، خاصة وأن النظام الأميركي دأب خلال العقود الثلاثة الماضية على جعل الولايات المتحدة والأميركيين يعيشون على الدين، وينفقون أكثر مما ينتجون، كما ذكر أحد هؤلاء المحللين.
وجدير بالاشارة أن أوباما تقدم الى الكونغرس بموازنة فيدرالية للعام المالي 2010 تحمل عجزًا عاليًا يتجاوز التريليون دولار، أي الألف مليار دولار، وهو ما يقترب من نسبة الـ 10 بالمئة من الناتج القومي الاجمالي السنوي للبلد، وذلك في سياق سعي إدارته لتغطية تكاليف محاولة الخروج من الأزمة. وقد لقيت هذه الموازنة معارضة من أولئك الذين تخوفوا من أن هذه الموازنة ستفاقم الدين العام، ولن تسهّل الخروج من عنق زجاجته خلال سنوات طويلة. مع العلم أن العجز الفعلي في موازنة العام الحالي مرشح أن يقترب من التريليوني دولار في نهاية العام المالي 2009، ويشكّل بذلك نسبة قياسية من الناتج القومي الاجمالي (أكثر من 12 بالمئة) في تاريخ الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.
طبعًا، كل الجهود تنصب الآن من قبل أصحاب القرار في الولايات المتحدة وفي دول أوروبا وبلدان أخرى متطورة اقتصاديًا باتجاه تجاوز الأزمة الاقتصادية بشتى الوسائل "الهادئة"، إذا صح التعبير. وربما كان مجيء باراك اوباما الى سدة الحكم في الولايات المتحدة توجهًا من قبل قطاعات واسعة من أصحاب القرار والنفوذ الاقتصادي في البلد لسلوك هذا الطريق "الهادئ" لانقاذ النظام الاقتصادي الرأسمالي وتجاوز أزمته الحالية الطاحنة، وإنقاذ النفوذ الأميركي الكوني طبعًا.

* سابقة كارتر وريغين


وهنا ترد المقارنة مع المجيء، في انتخابات العام 1976، بالرئيس الأسبق جيمي كارتر الى الحكم، في زمن كانت فيه الولايات المتحدة خارجة لتوها من صدمتين كبريين التي أدّت الى سقوط الرئيس ريتشارد نيكسون في العام الذي سبقه. وجاء اختيار كارتر، بسماته الشخصية المعروفة، لاعادة الاعتبار الى مؤسسة سياسية أُصيبت بانهيار كبير في أعين قطاعات واسعة من الجمهور الأميركي. وبما أن الرئيس في الولايات المتحدة ليس الآمر الناهي، وهو في الغالب واجهة لمجموعة كبيرة من مراكز النفوذ والسلطة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية، فلم يدم عهد كارتر طويلا، وأُطيح به، عمليًا، في انتخابات العام 1980، أي انه لم يتمكن من الاستمرار لولاية ثانية. والرئيس الذي خلفه هو الذي جاء بـ "الليبرالية الجديدة" وبـ "المحافظين الجدد" وبالسياسات العدوانية الكونية المتجددة، وهو بالتالي الأب الروحي للسياسات الاقتصادية التي نرى الآن نتائجها على الولايات المتحدة والعالم.
ومن الخطأ الاعتقاد بأن انتخاب أوباما هو تحول ثابت في السياسات الأميركية باتجاه أكثر ليبرالية (بالمفهوم السياسي، وليس الاقتصادي، للكلمة) وأكثر انفتاحًا على دول العالم. فالمجمع الصناعي العسكري، وقطاعات اليمين الامبراطوري المتشدد لم تختفِ، ونفوذها ما زال كبيرًا، وبإمكانها العودة الى الواجهة إذا لم تحقق سياسات أوباما الحالية النتائج المرجوة على صعيد إنقاذ الاقتصاد الأميركي والاقتصاد الرأسمالي العالمي عامةً، وإعادة الاعتبار لدور الولايات المتحدة الكوني.
فإذا كان طريق إنقاذ النظام الاقتصادي يتطلب حربًا، على طريقة الأربعينيات، وإن كان بأشكال وأحجام مختلفة، فأصحاب القرار الاقتصادي الكبار لن يترددوا في الاختيار، إذا ما فشلت الطرق الأخرى، وإذا ما كان الوضع العالمي مهددًا باضطرابات واسعة تفتح آفاقًا مخيفة بالنسبة لهؤلاء.
لكن مصلحة العالم وشعوبه ألاّ تصل الأمور الى هذا الحد.
ولكن كيف يمكن تفادي الاحتمالات الأسوأ؟ وما هي المخارج الأخرى الممكنة من هذه الأزمة؟ وهل النظام الاقتصادي السائد قابلٌ للإصلاح المستدام؟ أسئلة تحتاج الى مجال آخر للإجابة عليها.

(تم)

* كاتب وناشط يساري فلسطيني

 


ريغن (في الصورة مع رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغاريت تاتشر) أطاح بكارتر وجاء بـ"الليبرالية الجديدة" و"المحافظين الجدد" وبالسياسات العدوانية الكونية المتجددة

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم الأرض حصيلة نضال طويل وعنيد

featured

خواطر في وداع أحمد سعد، الإنسان المعلم..

featured

رونق جدران الحجر

featured

هل الامبريالية إشاعة ?!

featured

خطوة سياقها الترانسفير العنصري

featured

عبد النّاصر، بطل واجه القضايا حتّى النهاية (2)

featured

لجنة ُالمُبادرةِ دَيْنٌ في عُنُقي (38)

featured

الهازم والمهزوم