خواطر في وداع أحمد سعد، الإنسان المعلم..

single

مساء الإثنين. اللجنة الشعبية في الطيرة تضع اللمسات الأخيرة لمسيرة العودة إلى مسكة المهجّرة. يصلنا بلاغ برحيل أحمد سعد.
صمت.
صمَت رفاق أحمد. صمَت محبوه وخصومه السياسيون. صعقهم الخبر. كنّا نعلم، أن خبرًا أسود كهذا في الطريق. كنا نتوقعه. لكننا لم نتوقع أن يصل بهذه السرعة وبهذا الزمن الرمزي. لم نتوقع أن يفارقنا ساعات قليلة قبل مسيرة العودة، مسيرته، وهو المهجّر المسكون بهموم الوطن واللجوء..
بعضنا قال: استراح من يوم استقلال آخر.. البعض الآخر كان أكثر غضبًا وقال: لمَ، لمَ لمْ ينتظر يومًا واحدًا على الأقل فينام نومته الأبدية أكثر راحة وقد رأى هذا البحر الشبابي العائد إلى جذوره محطّما نظرية "الكبار سيموتون والصغار سينسون".
كنا بين نارين: إما المشاركة في مسيرة العودة وإما في تشييع جثمانه. قلنا: نتحدى الوقت والجغرافيا وننطلق من سهول المثلث لـ "نتعمشق" بكل سرعة إلى الجليل. وصلنا لكن متأخرين.. آلمنا أن يتم دفنه دون أن نحظى بإلقاء نظرة الوداع عليه.. دون أن نتمعن للمرة الأخيرة بملامح وجهه الأسمر المجبول بتربة هذا الوطن، الملوّح بشمسه.. دون أن نرى ابتسامته الصافية الحقيقية تصر على شق طريقها عبر كثبان وجهه الحزين، حزن اللجوء..
يزعجه التأخر عن المواعيد. نعلم. لكننا هذه المرة – رغم كل الألم - وقفنا عند ضريحه بكبرياء:
تأخرنا أيها المعلّم.. تأخرنا ونفتخر.. لا نخجل ولا نعتذر..
لو أتيح له الكلام، ربما لقال بتواضعه المعهود: إذهبوا أنتم إلى مسكة. أنا سأتدبّر أمري بنفسي، سأغتسل، أتكفن وأخلد إلى راحتي الأبدية بما أحبّ من هدوء.. بعيدًا عن هذه الضوضاء التي أمقتها بمماتي كما مقتها بحياتي.
لكنّ الكلام لم يتح له.
رأيناه يربّت على أكتافنا بفخر ورضا: شكرا لأنكم تأخرتم لأداء واجبكم الوطني..
شكرا.. فلا أعزّ ولا أغلى من تكريم كهذا..
أهو حزن؟ بل أكثر. هو بعض من الشعور باليتم.. شعور لن يدركه إلا من حظي بعشرة أبي محمد ومعرفته عن كثب. لن يدركه إلا من سمع نوادره، يقصّها في ساعات المساء المتأخرة على مسامع "قواريط الاتحاد" ممن يواصلون العمل بإخلاص رغم سوء الأمور المالية. يود لو يخفّف عنا وطء نار كان هو أول من يصطلي بها.. يدوس المرارة، يبتسم، تلمع عيناه من خلف نظارته السوداء: يخلف ع العلت والعكّوب..
غاب عنّا أيام المرض. توالت الأخبار كالسهام تصيب القلب. السّكر والعضال اتحدا على هذا الجسد النحيل فتنازل مكرها عن ساقيه. كرسي العجلات لم يفقده اتئاد الخطى على الدرب، دربه، دربنا.. في كل مناسبة كنت أراه بها كنت أفرّ من أمامه. أخاف من نظرة لوم منه لأنني لم أسأل عنه كفاية. وكل مرة كان يراني بها كان ينادي. كان يعاتب.. ما كان ليقول كلمة واحدة حول تقصيرنا بحقه. لم يتحدث عن هذا الموضوع البتة. إنما كان يعاتب على التقصير بالكتابة أو التلكؤ بتنفيذ مهمة حزبية أو بالدفاع عن موقف من مواقف الحزب الصائبة..
أحمد سعد الجسد لم يعد بيننا، لكن ذكراه حيّة لا تموت.. حية بما تركه من إرث خالد، من كتابات سياسية ستظل مرجعا لنا في مواجهة التحديات القادمة.. هو باق بيننا بكتاباته الأصيلة الشيقة المنسوجة من واقع حياتنا، المحكية على لسان خالد البرناوي ومتواضع عبد الخالق وشاهد عبد الحق.
أبو محمد ذهب عن عالمنا ليترك أمامنا أمانة غالية: أن نصون دربه، درب النضال والتضحيات، درب حزبنا الشيوعي، درب النضال الأممي من أجل السلام والمساواة والاشتراكية..
وهنا، هنا بالذات دورنا نحن، نحن الشيوعيين الشباب، نحن كوادر الشبيبة الشيوعية التي أحبها طيب الذكر فبادلته الحبّ.. دورنا أن نتعهد بالبقاء على العهد، بصونه كما تصان حبات القلوب والأعين، وفاءً للكبار الراحلين.. وفاءً للغد..

 

• ابن قرية مسكة المهجّرة والسكرتير العام للشبيبة الشيوعية

قد يهمّكم أيضا..
featured

دروس لبنان 2006 برسم التعميم في الحروب المقبلة: لأنّ هزيمة إسرائيل عسكريّاً ممكنة

featured

حوار الباب الدوار

featured

المطلوب تضامن يليق بالنضال!

featured

المبدأ: الأمل

featured

باقون على عهد توفيق طوبي

featured

كفار فراديم عنصرية "عَ المكشوف"

featured

الشعوب المضطهَدة بحاجة الى قيادة ثورية شيوعية جديدة