- هل الحكي على وجود الامبريالية ودورها في تعميم الفساد وحماية الفاسدين هو مجرد إشاعة، كما يريد لنا أن نتصور أولئك الذين يسوؤهم أن ننسب إلى هذه الامبريالية أي شرور؟ هل الحكي على دور دول الخليج في حرف رياح الثورات العربية عن وجهتها التقدمية إشاعة هو الآخر؟ هل سعي الامبريالية والقوى الرجعية إلى فرض بديل أسوأ من الأنظمة السيئة القائمة إشاعة لا ينبغي أن نهتم بها؟
//
ما من ظاهرة تستحقّ الحفاوة بمقدار ما تستحقّها ظاهرة تعدد الآراء. يجرى التذكير بهذا ونحن نتلقّى الآراء الكثيرة، القريب بعضها من بعض والمختلفة والمتباينة في تقييمها لما يجري في سورية وحولها. يُشار هنا إلى ما يستحق صفةَ الرأي، أي إلى ما يصدر عن أشخاص أو فرقاء يستحضرون الحقائق ويستخلصون ما يرون أنها تدلّ عليه. تعدّد الآراء هو الحامل للتعددية السياسية، وهذه التعددية هي حامية حرّية التعبير وضامنة استمرارها، وبدون حرية التعبير تظل الحريات الأخرى كلها غائبة، أو منقوصة، أو مهددة بالغياب.
في هذا الحديث، سأهتم بتعدد الآراء في الجانب الذي أجهر بالانتماء إليه وأتطلع إلى أن يظل هذا الانتماء متينًا، جانب الوطنيين التقدميين الذين لا تصرفهم المراراتُ والمشاعر الشخصية عن رؤية أعماق المسائل المطروحة للتقييم، الذين لا يُقيمهم نبأ ويقعدهم الذي يليه، الذين يصدرون في حكمهم على الأحداث، في صياغة آرائهم بشأنها، عن معايير ليست المزاجية أو المشاعر الخاصة من بينها.
مع هؤلاء تمكن المطالبة بتغليب العميق على السطحي، الموضوعي على الانفعالي، الأهم على المهمّ، الأجود على الأقل جودة، الأقلّ سوءًا على السيئ، الاستراتيجي على العابر. ومع هؤلاء يمكن للمرء أن يتشبث بقواعد التفسير العلمي للسلوك دون أن يخشى الاتهام بأنه يستخدم ما فات أوانه. بهذا، يسهل التوافق على أن ما يجري في سورية وحولها، خصوصًا ما يجري حولها، لا يَعرضُ اللونين الأبيض والأسود وحدهما، لا يُقدّم سُلطةً مرذولة ومعارضة فاضلة أو معارضة مرذولة وسلطة فاضلة، فقط. ما يجري يُظهر ألوانًا عديدة. وكثيرٌ من هذه الألوان متداخل تداخلا لا يجيز ابتسار الآراء بين لا لهذا وبين نعم لسواه، كما لا يجيز العكس.
وضع كهذا يوجب التذرع بالصبر والارتكان الصارم إلى المعايير الموثوقة لتفحّص المعروض وتكوين الرأي الذي يحفز على العمل لتحقيق أفضل الممكنات، الأفضل بين الممكنات العديدة، لا الاقتصار على نشدان أيّ ممكن في المتناول.
فإذا اتفقنا على صواب هذه القاعدة، فسيسهل أن نتفق على أن الحال سيئ، في سورية وغير سورية. ولن نؤخذ، إذًا، بالحملات التي تجعل الأطراف الأسوأ هي القيّمة على العمل من أجل التغيير. سوءُ الحال هذا لم ينجم من عامل واحد وحيد. فهو نتائج عوامل عدّة أوجدت نظمَ حكم يعمّها فساد الرأي وفساد السياسة وفساد السلوك وفساد الذمم والقمع اللازم لحماية الفاسدين. والبحث عن أفضل المخارج لا يقود إلى شيء ذي بال حين يستهدف استبدال فاسد بآخر مثله أو بأسوأ منه. البحثُ المجدي لا بدّ من أن يمرّ عبر وضع اليد على أخطر العوامل التي أنشأت الوضع، وليس على العامل الأقرب إلى النظر وحده.
أين يكمن الخطر الأكبر؟ هذا هو سؤال الأسئلة، أيكمن في الامبريالية التي تعولمت وعممت الفساد على امتداد الكرة الأرضية وحجبت عن بلدان العالم الثالث فرص التطور الطبيعي، أم يكمن في هؤلاء الذين أباح لهم الوضعُ أن يصيروا رؤوسًا لأنظمة الحكم نهّابين وطغاة يلائم وجودهم مصالح هذه الامبريالية؟
سؤال الأسئلة يستتبع أسئلة كثيرة تستقصي التفاصيل: هل الحكي على وجود الامبريالية ودورها في تعميم الفساد وحماية الفاسدين هو مجرد إشاعة، كما يريد لنا أن نتصور أولئك الذين يسوؤهم أن ننسب إلى هذه الامبريالية أي شرور؟ هل الحكي على دور دول الخليج في حرف رياح الثورات العربية عن وجهتها التقدمية إشاعة هو الآخر؟ هل سعي الامبريالية والقوى الرجعية إلى فرض بديل أسوأ من الأنظمة السيئة القائمة إشاعة لا ينبغي أن نهتم بها؟ هل الإخوان المسلمون والسلفيون الآخرون أشدّ حفاوة بالديمقراطية من البعثيين أو الناصريين أو الشيوعيين؟ وهل...؟ وهل...؟ وهل...؟ إلى آخر قائمة الأسئلة الطويلة.
أي ضير في أن يتصدّى أحد للتذكير بهذه الأسئلة والتحذير من خطر إهمالها. هل يتوجب أن يكون الذي لا يُسْلم قياده لطغيان التضليل مدافعًا عن الطغاة. ولماذا يتوجب عليّ وعلى أمثالي أن نتلقى هذا السيل العرم من الغثاثة والمزاعم والادعاءات الفارغة حول الديمقراطية ثم لا يحق لنا أن نطرح أسئلتنا ونحذّر من مخاطر البديل الذي يجري إعداده، كما نحذر من مخاطر الفساد والقمع القائمين الآن.
لنرحب بتعدد الآراء، على أن يظل مفهومًا أن ما يصح في نهاية المطاف لن يكون إلا ما هو صحيح. أغلبية الجمهور السوري مسيّسة ومسلحة بالخبرة والحكمة. وممثلو ضمير هذه الأغلبية يعرفون أنها ستستجيب لدعوةِ التغيير حين يتوفر الشرط الذي يجعل أفضل الممكنات في متناول اليد، أي حين ينتظم عمل جاد لا تختفي وراءه أسوأ النوايا، أي حين يُبادر إلى هذا العمل من يستحقون ثقة الأغلبية، وليس من يتمتعون بثقة طغاة الأنظمة النفطية وتأييد أسيادهم الكبار في واشنطن ولندن وباريس.
ويبقى على عاتق القابضين على الجمر أن يُقدموا الإجابات الصحيحة على الأسئلة التي تشغل بال الزعماء جميعهم، الإجابات التي تعمق الوعي، لا التي تبسطه، الإجابات التي تحفز على التحرك من أجل التغيير، لا التي تبلبل كلّ تحرك. وفي البحث عن هذه الإجابات، لتتعدد الآراء، ففي كل رأي نزيه إسهام في الدفع في الاتجاه الصحيح.
