الأورفيزيون كمرآة للسياسة

single

* مشاركة اسرائيل كانت دائمة، لكن عند التعمق اكثر في مواضيع اغانيها  نستطيع ان نكشف عن ابعاد ترويجية سياسية إذ أنها تعي جيدا بأن هذه المسابقة ما هي إلا منصة مهمة لتوجيه رسالة وموقف للعالم عامّة وأوروبا خاصة*

في السابع عشر من شهر أيار هذا العام تابع العالم مسابقة الأغنية الأوروبية المعروفة بالـ (Eurovision) الاورفيزيون والتي انتهت بفوز النرويج. هذه المسابقة هي احد الأحداث العالمية الأكثر مشاهدة في العالم. هذا الحدث لا يحظى بشعبية خاصة في الدول العربية لانها لا تشارك به او تقاطعه إلا انه حدث موسيقي- سياسي من الدرجة الأولى في اوروبا واسرائيل. اسرائيل تشارك في هذه المسابقة الاوروبية لانها عضو EBU-European Broadcasting Union .
نعم، هناك دول عربية أعضاء في هذا الإتحاد إلا أنها ترفض أن تشارك لوجود اسرائيل هناك ولأنها ستُجبر على بث اغنية اسرائيل في قنواتها الرسمية وهذا ما حدث مع لبنان سنة 2005 عندما قررت الإنسحاب رغم انها عضو في EBU .
في هذه المسابقة، تساهم الدول من جميع انحاء اوروبا المشاركة في EBU، في اغنية معينة ويجري التصويت على هذه الأغنية من قبل المشاهدين في بيوتهم دون السماح للمشاهدين بأن يصوتوا لدولتهم. تستطيع كل دولة مشارِكة أن تغني بلغتها الأم، ولكن ما حدث في العقد الأخير هو أن غالبية الدول فضّلت ان تغني بالإنجليزية لأهداف عمليّة, الا وهي تسهيل وصول الأغنية الى آذان وقلوب المستمعين مستغلة بذلك مكانة اللغة الإنجليزية العالية, او لأسباب سياسية، مغازلة بذلك بعض الدول الأوروبية الكبيرة الناطقة بالإنجليزية التي لها هيمنة واضحة على هذه المسابقة، ومنها انجلترا وايرلندا. هنالك بعض الدول التي تخلط ما بين لغتها القومية والإنجليزية مثل النرويج  وتركيا  والمانيا واليونان وغيرها الكثير، وهنالك من يفضل الغناء باللغة القومية وهؤلاء قلائل.
لن اسهب بالحديث عن تقنيات هذه المسابقة إنما سأتحدث عن أبعاد هذه المسابقة السياسية كمتابعة دائمة لهذه المسابقة من باب اهتمامي باللغات بشكل عام. بدأت ألحظ نمطية معينة بين الدول عن طريق عدد النقاط التي تعطيها الدول للدول الأخرى؛ تحالفات جيو- سياسية تسيطر على الموقف. فعلى سبيل المثال الدول الاسكندنافية دائما تغازل بعضها البعض بالتصويت بعدد نقاط عال. فبغض النظر عن جودة الاغنية نرى ان السويد و النرويج على سبيل المثال تمنحان بعضهما البعض عدد نقاط عال وكذلك الأمر مع دول أوروبا  الشرقية ودول البلقان التي تساند بعضها، وبدأت تأخذ دورا حاسما في الأورفيزيون على حساب دول أوروبا الغربية التي بدأت تفقد الأهمية هناك. ومن المفارقات أن عملية التصويت وإعطاء النقاط اصبحت  مثيرة أكثر من مسابقة الغناء نفسها التي اصبحت اليوم فقط غطاءً لعلاقات سياسية ودبلوماسية. فالدول المشاركة أصبحت تعمل حسب مثلنا الشعبي: "المسابقة يوم وعلاقاتنا ومصالحنا السياسية والاقتصادية دوم"، وما يجري في المسابقة وراء الكواليس من توترات سياسية بين دول متخاصمة ينعكس على الفنانين أنفسهم كما جرى في هذه السنة بين اذربيجان وارمينيا من مشاحنات أدت الى تدخل وزارة الخارجية من كلا الطرفين. فاذا كنت تريد ان تعرف ما هي أكثر الدول شعبية في اوروبا ولاي منها يوجد أكثر تحالفات سياسية – اقتصادية واجتماعية وأي دول في مأزق وعزلة سياسية، يكفيك (جزئيًا) متابعة الأورفيزيون!

 

// اسرائيل-اوروبا والـ DOUZE POI

 

 


إحدى الدول المشاركة والمثيرة للجدل دائما هي اسرائيل. لقد كانت مثيرة للجدل بشكل خاص للدول العربية وأيضا للغرب إذ أن المواضيع المطروحة في الأغاني كانت أحيانا تحمل طابعا سياسيا بحت، الأمر الذي تنافى مع قوانين المسابقة. احد هذه المواضيع والذي رافقته ضجة اعلامية كبيرة كانت اغنية Push the Button التي تلوح بتوصيل رسالة الى احمدي نجاد في ايران. لكن اسرائيل استطاعت ان تقنع المسؤولين عن المسابقة بانها اغنية عامة وغير موجهة الى ايران. مثال آخر على اشكالية اسرائيل في هذه المسابقة هو ارسالها للمغنية "دانا انترناشنونال" والتي غيرت جنسها من ذكر الى أنثى لتمثل اسرائيل الامر الذي اثار ضجة كبيرة في اوروبا واسرائيل. أما بالنسبة للدول العربية، كما هو معروف، فان الدول العربية تقاطع هذه المسابقة للاسباب المذكورة أعلاه ولكن أذكر كيف أن التلفزيون الأردني كان يبث هذه المسابقة ويخرج لفقرة دعائية عندما يكون دور اسرائيل في الغناء. ووصلت الأمور بالتلفزيون الأردني الى حد تغيير الحقائق؛ ففي العام 1978 عندما فازت اسرائيل، رفض التلفزيون الأردني الاعتراف بذلك وأعلن ان بلجيكا قد فازت بالمسابقة. أنا لا أقف هنا موقف المدافع عن اسرائيل، بالطبع، ولكنني استهجن الاستخفاف بعقول مشاهدي التلفزيون الأردني والشعب العربي.
في كل الأحوال، مشاركة اسرائيل كانت دائمة، لكن عند التعمق اكثر في مواضيع اغانيها   نستطيع ان نكشف عن ابعاد ترويجية سياسية إذ أنها تعي جيدا بأن هذه المسابقة ما هي إلا منصة مهمة لتوجيه رسالة وموقف للعالم عامّة وأوروبا خاصة.

 

كان غريبا تعليق المغني الإسرائيلي يزهار كوهن  الحائز على المكان الأول في المسابقة عام 1978 في مقابلة معه في القناة الثانية حول فشل اغنية احينوعم نيني وميرا عوض في الاورفيزيون الأخير، هذا الشهر، والذي قال: "إن المشكلة في عدم نجاح اغنية اسرائيل، لم تكن السياسة انما ببساطة كانت هناك العديد من الاغاني الجميلة".
هذه المقولة غير صحيحة لأن اسرائيل نفسها تسيّس هذه المسابقة. في نظرة خاطفة للأغاني التي تم ارسالها لتمثيل اسرائيل خلال السنوات الماضية تكشف عن مقاصد غير مباشرة، منها: الأغاني التي تنادي للسلام والأخوة بين الشعوب مثل: 1975 (قل سلامًا)- 1979 (هللويا) -1986 (سيأتي يوم) – 1988 (انسان) – 1995 (آمين) – 2000 (سعيد)-  مع اعلام سورية واسرائيلية تلوح بالخلفية 2002 (معا نوقد شمعة) –2006 (Together We are One)   - 2009 (There Must be Another Way)
وهنالك أغان مع روح قومية مثل: 1982 (هورا), 1983 (حاي) 1985 (الى الاعلى), 1989 (الطريق الذهبية), 1991 (هنا ولدت).
أضف الى ذلك أن اسرائيل من الدول القليلة، إن لم تكن الوحيدة التي تصر على أن تغني بالعبرية ومؤخرًا فقط أدخلوا بعض الجمل الإنجليزية وذلك للتشديد على هوية الدولة. ولكن محاولات الدولة لترويج نفسها سياسيا كدولة مسالمة وتنادي بالسلام والأخوة والتعايش بلغ ذروته في مسابقة هذا العام التي جرت في روسيا عندما قررت الدولة ارسال ممثلتيْن، واحدة يهودية يمنية والاخرى عربية فلسطينية لايصال "رسالة تعايش وتآخي للعالم"، هذه الخطوة التي أقدمت عليها الدولة تزامنت بشكل صارخ مع ابشع مجازر اجتياح غزة، وبعد انتخابها لأكثر الحكومات يمينية وتطرفا الى حد شرعنة الترانسيفر وشيطنة الفلسطيني وتجريم الضحية، وفي ظل توسيع الاستيطان بالقدس ومصادرة الأراضي وهدم البيوت في احيائها. اذا كانت فعلا هنالك " طريق اخرى" فلترنها ايّاها هذه الدولة ولتأخذ نقاطا عالية من مواطنيها اولا قبل ان تسعى لاخذها من العالم.. ان ما تبحث عنه اسرائيل هو” دوز بوا) “12 نقطة وهي اعلى درجة في المسابقة) سياسي وليس موسيقى، والعالم عامة  واوروبا خاصة لم تنطل عليهم هذه الأكذوبة، اكذوبة التعايش السطحي المزيف. ومن هنا كانت النتيجة الطبيعية، المكان السادس عشر من أصل 22 دولة. هذه نتيجة مخيبة لآمال اسرائيل .

 

// "الرقص في عرسين"


اظن انه من السذاجة ان تعتقد اسرائيل انها تستطيع " الرقص في عرسين". ان تضرب وتتنهك حقوق أساسية للإنسان داخل اسرائيل وفي المناطق المحتلة بيديها وأن تغني للسلام والتعايش بشكل استعطافي بصوتها. فلا ينطلي على أحد في زمن الثورة الإعلامية أن يكون الصوت صوت يعقوب واليدان يديْ عيسو، واعتقد ان دراسة متعمقة أكثر للعلاقة بين الدرجات التي تأخذها اسرائيل في المسابقة وبين علاقتها مع اوروبا في الفترات المختلفة، تنعكس بشكل جليّ في الأورفيزيون كما تنعكس كلّ العلاقات الدبلوماسية بين الدول الاوروبية الاخرى كما ذكرت سابقا. فعلى سبيل المثال: في السنوات ما قبل الانتفاضة الاولى، كانت اسرائيل تحصل على دعم كبير من المجتمع الأوروبي، الامر الذي تجلّى بفوزها بالمكان الأول مرتين ولسنتين متتاليتين، عام 1978 عندما غنى المغني اليهودي يمنيّ الأصل يزهار كوهن ( أبي) ومرّة أخرى عام 1979 عندما غنت جالي عطاري - وهي ايضًا شرقية الاصل- أغنية "هللويا" .
تزامن هذا الصّعود وهذه الشّعبيّة لاسرائيل مع ابرامها لـ "معاهدة السّلام" مع مصر، فقد كانت اسرائيل في ذروتها اعلاميًا وترويجيًا والامر انعكس على وضعها ايجابيا في الاورفزيون .
وتكملة لهذه المسيرة الداعمة لاسرائيل، ففي عام 1982، 1983 وعام 1985 فازت اسرائيل بالمكان الثاني مرتين والخامس على التّوالي. في هذه الفترة كانت العلاقات الاوروبية الإسرائيلية جيدة وكانت تكملة لهذه السياسة التي بدأت بدعم اوروبا للاستيطان اليهودي في فلسطين وإقامة الدولة عام 1948. فمشروع إقامة دولة اسرائيل لم يكن حلاًّ للمشكلة اليهوديّة فقط، إنما للمشكلة الأوروبية ايضًا وبلغ هذا الدعم قمَّته بالعدوان الثلاثي (الفرنسي، الانجليزي والاسرائيلي) على مصر.
ومن الملفت للإنتباه أنه منذ الاعتراف بمنظمة التّحرير الفلسطينيّة في الامم المتحدة والعالم، بدأت المعادلة بالتغيّر قليلا وبلغت ذروتها بعد اندلاع الانتفاضة الاولى عام 1987، عندما كشفت اسرائيل مدى شراسة آليتها العسكرية ضد شعب أعزل مُحتل. من هذه النقطة بدأت العلاقات الاوروبية الاسرائيلية تتوتر الامر الذي انعكس، بشكل غير مفاجئ، على وضعيتها في الارفيزيون؛ ففي عام 1989 حصلت على المرتبة الثانية عشرة، في عام 1990 المرتبة على الثامنة، في عام 1993 المرتبة قبل الاخيرة – ال 24 من مجمل 25 دولة- في 1994 لم تنجح الأغنية في الدخول الى المسابقة بحسب المقاييس المطلوبة، ووصلت القمة عند عام 2000 عند اندلاع الانتفاضة الثانية عندما حصلت على المرتبة ال 22/24 مع اغنيتها المثيرة للجدل والمستفزة "سعيد" لفرقة  (ping pong). وفي عام 2001 في المرتبة السادسة عشرة وسنة 2002 المرتبة 12، 2003 المرتبة ال 19، 2006 المرتبة ال 23 وحتى اليوم 2009 المرتبة ال 16 .
هناك، طبعا، صعود وهبوط بحسب جودة الاغنية والأداء احيانا، إلا انه من الصعب عدم رؤية هذه العلاقة وهذه النمطية. ان وضع اسرائيل المتوتر في الاورفزيون سببه العلاقة الاوروبية الاسرائيلية المتوترة ولكن، يجب ان لا ننسى الدور المؤثر لدول اوروبا الشرقية ودول البلقان التي بدأت تأخذ دورا أكثر حسمًا على الساحة الاوروبية وعلى ساحة الاورفيزيون. إذ أن هذه الدّول والتي كانت بأغلبيتها اشتراكية، لا تدعم اسرائيل وبالتالي اسرائيل لا تدعمها لا بالنقاط ولا بالسياسة الخارجية. فعلى سبيل المثال، اغلب النقاط التي تلقتها اسرائيل عبر السنين كانت من دول اوروبية غربية مثل فرنسا (151 نقطة) سويسرا (122 نقطة) فنلندا (115 نقطة)، المانيا (126) والبرتغال (112) أما اسرائيل اعطت أغلب نقاطها ل : انجلترا (137 نقطة)، فرنسا (112)، هولندا (103) اسبانيا (92) والسويد (91) . إن تأثير دول اوروبا الغربية آخذ بالتقلص في الاورفيزيون مقابل تأثير دول اوروبا الشرقية، وبالتالي فالأإمر ينعكس عل وضع اسرائيل .
ومن هنا اذ كنت تريد معرفة وضع اسرائيل في اوروبا، فان مسابقة الاورفيزيون لهي مؤشر يمكن أخذه بجدية .
الفن والموسيقى هما عالمان اذا تمّ تلويثهما بالسياسة التي تفقدهما جماليتهما، مع انه كان من المثير ان نسمع اللغة العربية في الاورفيزيون التي كان وقعها جميلا جدا بين خليط اللغات الموجودة، كان على  احينوعم نيني وميرا عوض الا يُسّخرا الفن لخدمة الآلة العسكرية الاسرائيلية.
على كلّ حال، لن ادخل في تفاصيل هذه القضية أكثر  ولكني اعتقد أن على اسرائيل أن تحصل على (الدوز بوا) من مواطنيها أولا قبل ان تبحث عنه في اوروبا .         

(الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وقود النيران تصبّها الحكومة

featured

حين ينتفض الشعب دفاعًا عن القدس والأقصى

featured

رفع الحصار قضية الجميع

featured

(أحلام المستقبل وتثقيف الاحتلال)

featured

جريمة نجع حمادي..تهديم لمفهوم الدولة..

featured

التقسيم العالمي الجديد الى أين؟!

featured

تخجل الارض والقدس من حالنا

featured

امور تستحق التفكير... جيدًا