(أحلام المستقبل وتثقيف الاحتلال)

single

منذ ان فتحت الشابة شامة عيونها ومنذ نعومة اظفارها كانت متفوقة في كل شيء على اخوتها وعلى تلاميذ صفها في المدرسة. لا تفكر الا بالدراسة وفي المجد الذي سيأتي بعد ذلك يطول الهرج والمرج بين والديها واخوتها في البيت. وهي التي تغلق باب غرفتها وتسهر الليالي بين كراريسها وكتبها حتى الساعات الاولى من الفجر.
ولاجل ذلك اصبح معلموها يحسبون لها الف الف حساب ويعاملونها معاملة خاصة. كل ذلك لتفوقها الساطع على الجميع، وحين انتقلت الى الثانوية ابدعت بقدرتها في الدراسة ومناهجها العامة، ولكنها ابدعت بشكل خاص في الرياضيات والكيمياء واللغة الانجليزية. وبناء على ذلك انتدبتها المدرسة لتكون سفيرتها من بين المتفوقات اللواتي سيسافرن الى بلاد العم سام ولمدة شهر كامل على حساب وزارة المعارف. لان الدولة الوحيدة في العالم والتي تمتلك قدرات غير محدودة بحاجة دائما الى قيادات معتدلة (متأمركة) في بلدانها والتي ستمسح صفة الدولة مصاصة دماء الشعوب المستضعفة هي الولايات المتحدة. ولان اسرائيل ربيبتها رضيت ان تكون كل مصاريف المعسكر على حساب وزارة المعارف. ولان هذه القيادات الشابة ستغطي عيوب الاحتلال والحروب والتحكم بمصائر الشعوب. مما يسهل للاحتلال التواصل والتواطؤ والعمالة لها في كثير من بقاع العالم. وحين اقتربت ساعة السفر حصلت شامة على (فيزا) لدخول الولايات المتحدة بكل سهولة. رغم الاسم الاسود للعائلة من دولة الاحتلال. على امل ان يتغير كل شيء في المستقبل. وحين حطت الطائرة خلف المحيطات كانت شامة تجد نفسها في جنة الخلد على الارض بين السفراء من جيل الشباب الذي يرنو للمستقبل الزاهر بلا حروب وبلا تفرقة وبلا منازعات على أسس الحياة. كان المعسكر كخلية النحل لا ينقصه شيء من التنظيم والغذاء والراحة والخدم وتنوع الزائرين. وهناك يتم التعارف بين القيادات وبين الشعوب التي تسير على الدمقراطية الامريكية المزيفة والمخادعة. وهناك يتم تبادل العناوين والصور والاسماء وارقام الهواتف وادق التفاصيل للتلاقي في المستقبل على الاسس القائمة في المعسكر. وهناك تذوب الفوارق بين المحتل وبين الوجوه القابعة تحت الاحتلال. وهناك يُنسى كل شيء او يزيف كل شيء. ويكتشف الجيل الصاعد ان الناس سواسية كأسنان المشط. لا ثكالى ولا ارامل، ولا ايتام ولا احتلال، وهناك تمحى فلسطين والعراق وافغانستان وكوريا وكوبا وايران وسوريا وحزب الله وامارة حماس وحصارها ليس لهم وجود. العالم يضحك من زواياه الاربع هناك لا يوجد غواصات ولا بوارج ولا حاملات طائرات، ولا قنابل ذكية، ولا شركات نفط ولا مهندسو مخابرات ولا اطماع. هناك رقص وغناء وتثقيف دمقراطي وحياة رغيدة. هناك ينسى الانسان وطنه وعائلته ودينه وقوميته وحريته. وهناك تلتقي الوجوه ببراءة الطفولة والغربة وحلاوة العيش الفريد.
وهناك يشاء القدر ان تلتقي شامة التي لا تمتلك من فلسطين غير الاسم النازف منذ اكثر من ستة عقود. تلتقي مع شابة في جيلها أتت فلسطين على ظهر باخرة من المهاجرين من شتى اصقاع المعمورة. تلتقي مع شولميت التي تعيش في فلسطين في دولة قوية قامت على انقاض شعب شامة وخرائب قراه واراضيه المغتصبة. وهناك يشاء القدر ان تترك الشابتان السياسة والاحتلال والمصائب والشتات وتتعاهدان على تبادل الزيارات والمكالمات والاحاديث والآراء في شتى نواحي الحياة. ولكن المفارقات تبدأ حين تلتحق شامة بالجامعة وتدرس الطب بنجاح حسب اختيارها. اما شولميت تفُستدعى للجيش لخدمة الوطن والاحتلال. حيث توضع على احد الحواجز العسكرية التي تمزق فلسطين الاسم الى قطع متناثرة تقطع اوصالها الاسوار العنصرية العالية ونقاط المراقبة الالكترونية والمجسات. تغلق شوارعها بالسواتر الترابية ويمنع التجول فيها بالليل والنهار وتعيش حسب الاوامر العسكرية الصارمة، تصادر اراضيها في وضح النهار وتحرق اشجارها وتصفى رموزها في الشوارع بدم بارد. ويشاء القدر ان تسافر شامة الى إحدى جامعات الوطن السليب لالقاء محاضرة طبية، وعلى الحاجز يلتقي الوجهان شامة وشولميت، وهنا تنتبه بانها نسيت بطاقة هويتها في البيت. وعندما تلتقي العيون على الحواجز تتبخر الصداقات وتتناثر الضحكات كقنابل الفوسفور على غزة. وترفع شولميت رشاشها في وجه شامة وينتهي كل شيء.

 

(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحذاء الموجه لأميركا

featured

هل أشرقت شمس العرب من الغرب

featured

عندما يفتّش جنود حرس الحدود عن فلسطينيّ يحتضر، يتحوّل المستشفى لساحة معركة

featured

حوار الباب الدوار

featured

اعتقالات سياسية في حالتنا!

featured

عن حريّة التعبير ووهم السلطة الرابعة

featured

ما بين المجتمع المدني والمجتمع المدني الافتراضي

featured

لذكرى المرحوم سليم فرحات أبو عقل