بعد عشرات من السنين العجاف ..وبعد العديد من تجارب الاستقلال وانشاء ما اطلق عليه بالدول الوطنية ..ما زالت تجبرنا بعض الاحداث التي نكابد معايشتها بين الحين والآخر الى مراجعة مفاهيمنا حول العبارات التي مللنا من تكرارها واجترارها روتينيا حول الانتماء والمواطنة والعدالة الاجتماعية ومدى تعبيرها عن الواقع المعاش على الارض..
وقد تدفعنا بعض النكبات التي تصيب النسيج الاجتماعي في اعمق مرتكزاته مثل ما جرى في نجع حمادي الى التساؤل عن دلالية مفهوم الدولة في الممارسة الاعلامية والسياسية والخطابية للنظام السياسي العربي الحاكم..
فالدولة كنظام ادارة معبر عن توجهات الشعب.. وفي ظل التطاول الممعن في اللاشرعية لمؤسسة الحكم .. ومن خلال التآمر مع منظومة التدين المسيس والمرتزق..تحولت الى اداة قمع ارهاب فكري مخصصة لفرض تصورات سلطوية فجة لطغمة حاكمة لا تجد مبررا لوجودها الا في حرمان المواطنين من الحقوق الاساسية التي تكفلها لهم بدئيات الانتماء..وتعد ممارسة الشعب لخياراته الحرة من اكثر مواطن التهديد لديمومة تحكمها في مصائر ورقاب العباد..وتعد التداول السلمي للسلطة مصدر فناء وانهاء لا تعوضه أي ترتيبات لاي نوع من "الخروج الآمن"..
اي ان الدولة هنا تحولت الى اسلوب للتهميش والاقصاء اكثر من كونها اداة تشكيل الوعي الجمعي بالتماسك والهوية والوحدة الوطنية.. فالنظام السياسي الرسمي العربي فشل تاريخيا في اطلاق مشروع او عملية سياسية تؤدي الى فرز ثنائية الدولة والسلطة مع التأكيد على اولية الدولة ككيان جامع ضامن لحق المواطنة والحريات الاساسية ومتسامية عن الميول والانتماءات العرقية والطائفية..
بل يمكن القول ان الهم الرسمي العربي كان في تخليق ثنائية الحاكم والمحكوم من خلال انشاء مفهوم مشوه للدولة تمارس الشعاراتية المضللة في تفسير وادارة التقاطعات المجتمعية ..واللعب على اوتار هذه التقاطعات لضمان ديمومة الهيمنة على القرار الوطني..والسيطرة على توزيع العوائد المالية لثروات الوطن..وغض النظر عن ممارسات التحشيد الطائفي والعنصري التي يمارسها فقهاء السلطان والبحث عن النقاء الديني والمذهبي..والتستر على التكسب المحموم واللاهث الذي يسرف فيه الموالون للسلطة..والامتناع عن تفعيل السياسات الرامية الى زرع بذور الانتماء وترسيخها في منظومة الدولة ..واستبدالها بصيغة ضيقة مختزلة لا توفر مساحة للاقليات العرقية والمختلفة ايديولوجيا وفلسفيا .
مما انتج واقعا مخيفا يتجلى في بروز الشعارات الطائفية والعنصرية لدى أي احتكاك او حادث جنائي بحت يكون طرفاه من المختلفين عرقيا او طائفيا..انعكاسا لحالة الاحتقان التي يعيشها المواطن والتي تعبر عن ما يعانيه من تردّ اوجده التقادم المفرط لغياب العدالة الاجتماعية الناتجة عن السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة على بلداننا ..
ان الدماء التي روت ارض نجع حمادي كانت صدًى لدماء اخرى سالت في كردستان والاهواز ودارفور ولبنان وفي اماكن اخرى من الجسد العربي المريض ..بددتها السياسات الهادمة للتكافل الوطني والتواصل الشعبي ..والتي سعت الى تمزيق اللحمة المجتمعية وتفكيكها الى مرجعيات طائفية أو دينية أو عرقية أو مذهبية متغولة ومتقاطعة ومهيأة للانقضاض على المكتسبات الوطنية المتراجعة تحت وطأة اضعاف الدولة الوطنية.. مما يهدد باقتتال الأخوة والأشقاء وإلى تفكيك الدولة إلى دويلات وإلى عمليات تطهير عرقي وإبادة جمعية....
إن القاتل الذي ارتكب جريمة نجع حمادي كان يعبر عن قرون من التحريض والتنفير المبرمج بين مكونات المجتمع الواحد والتواطؤ بين منظومة الحكم وروايات الزنانير والناقوس والقلنسوات الصفر التي ينشرها فقهاء السلطان بين الناس تجذيرا للنوازع العنصرية والطائفية في احط صورها وادنى دركاتها والتي يكذبها ويلعنها دماء الشهداء المغدورين القبط مع اخيهم الشهيد رجل الامن المسلم التي امتزجت في وحدة يأبى التاريخ والارض والعرض والمصير لها انفصاما..
