تشتُّت الخارطة السياسية الإسرائيلية،عوامل وتأثيرات (1- 5)

single

الصورة: انقلاب العام 1977. شارون وبيغن

 

تشهد الخارطة السياسية الإسرائيلية في العقدين الأخيرين حالة من التشتت، ضعفت فيها القوة الحزبية المركزية، التي تشكل العمود الفقري لكل حكومة، مقابل ازدياد قوة الأحزاب الصغيرة وتحول عدد منها إلى وسطية من حيث حجمها البرلماني، وبالتالي ازدياد قوتها السياسية، وانعكس ذلك مباشرة على استقرار الحكومات، التي هبط معدل عمرها، ولم تجر أي انتخابات في موعدها، منذ العام 1988.
خلال 18 ولاية برلمانية، لم تكتمل سوى خمس ولايات برلمانية، من حيث المدة الزمنية، آخرها حتى الآن، كان في العام 1988، إلا أنه زيادة على ذلك في السنوات الأخيرة انخفض معدل الولايات البرلمانية وعمر الحكومات الإسرائيلية، وهبطت منذ العام 1996 وحتى العام 2009 إلى ما بين 36 شهرا وحتى 33 شهرا، في حين قال بحث إن معدل تغيير المناصب الوزارية تراوح ما بين 20 شهرا إلى 24 شهرا، فحتى الحكومة الحالية شهدت بعد أقل من عامين على تشكيلها، عدة تغييرات في أعقاب انسحاب عدد من وزراء حزب "العمل" من الحكومة.
من أهم العوامل التي أدت إلى هذه الحالة، هو أن إسرائيل في سنوات السبعين والثمانين، أي في العقدين الثالث والرابع بعد إقامتها، سارعت الخطى نحو نقاط الصدام مع الواقع الذي حاولت تفاديه، وبشكل أساسي الصراع الشرق أوسطي، وأوله القضية الفلسطينية، وكل ما يتفرع منها، وكان هذا الدافع الأساسي في محاولات إسرائيل والحركة الصهيونية إلى تغيير المعادلات الديمغرافية بشكل مصطنع، وبوتيرة سريعة، لتتوهم أنها تخرج من أزمة ديمغرافية، لتجد نفسها في أزمة أشد تتعلق بتركيبة المجتمع اليهودي فيها.
بموازاة ذلك، حصلت متغيرات اقتصادية أساسية، في محاولة إسرائيل لمجاراة كبرى الدول المتطورة، دون الالتفات إلى طبيعة وتركيبة الجمهور الذي تحكمه.

  • مقدمة

(1)- 1948- 1977

منذ العام 1948 حتى مطلع سنوات السبعين كان في الخارطة السياسية حزب واحد قوي، يحتل ما بين 40% إلى 47% من مقاعد الكنيست الـ 120، وهو حزب "مباي" الذي تحول في منتصف سنوات الستين إلى كتلة "المعراخ" (التجمع)، ومنذ مطلع سنوات التسعين بات اسمه "العمل"، وهنا نتحدث عن الحزب إضافة إلى كتل عربية صغيرة كان يقيمها "مباي" بنفسه، لجلب الأصوات العربية، في إطار منافسته للحزب الشيوعي، الذي كان حتى مطلع سنوات الثمانين، القوة البرلمانية الوحيدة في الشارع العربي المناهضة لحكومات إسرائيل.
إلا أن "مباي" كان يشكل حكومته بسرعة متناهية، بعد انضمام فوري لأحزاب شريكة له في السياسة، في تلك السنين، وخاصة حزب "مبام" العمالي، الذي شهد في سنوات الخمسين انشقاقا، وانبثق عنه حزب "أحدوت هعفودا"، الذي اندمج في منتصف سنوات الستين مع حزب "مباي" في إطار واحد، وأطلقا على نفسيهما اسم "المعراخ"، ثم انضم لهما حزب "مبام" قبيل انتخابات العام 1969، ليشكلا في انتخابات ذلك العام أكبر كتلة برلمانية في تاريخ الكنيست، وحتى اليوم، مكونة من 56 نائبا، ينضم اليها فورا 4 نواب من الكتلتين "العربيتين"، ما يعني 60 مقعدا من أصل 120 مقعدا.
هذه الحالة البرلمانية، مقابل عدم وجود كتلة برلمانية تقترب من عدد مقاعد "مباي وحلفائه، سهّلت على حزب "مباي" الاستفراد بالحكم، على مدى السنوات التسع والعشرين الأولى لإسرائيل، أي حتى العام 1977.
كانت بداية نهاية هذه الحالة السياسية في سنوات السبعين الأولى، حين بادر حزب حيروت اليميني المتشدد، والشخصية البارزة فيه، الجنرال احتياط أريئيل شارون، إلى تشكيل حزب "الليكود" (التكتل) لينصهر فيه حزب "حيروت" وحزب الليبراليين القريب منه، ومجموعات يمينية صغيرة، ويتجه نحو أول انتخابات له، في اليوم الأخير من العام 1973، وليحصل على 39 مقعدا، في حين أن أقصى ما حققه حزب حيروت في جميع الانتخابات السبع السابقة كان 26 مقعدا، ولكن طيلة السنوات السابقة كانت قوة "حيروت" في تنامي مستمر.
وكانت الدورة البرلمانية الثامنة التي بدأت في مطلع العام 1974، أول دورة فيها كتلتان مجموع مقاعدهما 90 مقعدا، ما يعني 75% من مقاعد الكنيست الـ 120، في حين أن حزب "مباي" كان في كل واحدة من الدورات السبع السابقة يشكل حكومة ترتكز على ما بين 60% إلى 66% من مقاعد الكنيست، من دون صعوبة تذكر.
بطبيعة الحال فإن هناك عوامل كثيرة ساهمت في هذا المتغير، منها الأساسية، التي رافقت سنوات الكنيست السابقة وكانت بتصاعد مستمر، ومنها الرئيسية، أي وليدة تلك الفترة، والرئيسية هنا، كانت حرب "أكتوبر" العام 1973، وكسر معادلة "الجيش الذي لا يُقهر" وحصول هزّة في إسرائيل، لكنها لم تطح بحزب "مباي" عن الحكم، نظرا لقصر المدة الزمنية بين الحرب والانتخابات (اقل من شهر ونصف الشهر بعد وقف إطلاق النار).
أما من الأسباب الأساسية، فكان تبدل الأجيال في سنوات السبعين، التي نشأ فيها بشكل خاص جيلان لعبا دورا لاحقا في تغيير وجه السياسة في إسرائيل، الجيل الشاب من اليهود الشرقيين، خاصة من أحياء وبلدات الفقر، الذين عانوا من سياسة التمييز العنصري ضدهم، من حكم "مباي" الأشكنازي، على مدى حوالي عقدين، فهذا الجيل الشاب، الذي كان يرى الأوضاع المتدنية لمجتمع اليهود الشرقيين، والصعوبة التي واجهونها في الارتقاء في سدة الحكم والعسكر، والوظائف العامة وحتى في القطاع الخاص، تنامت فيه روح النقمة على هذه الأوضاع، وقد سجل أمامه العنوان لكل هذه الأوضاع، وهو المؤسسة الحاكمة، المتمثلة في حزب "مباي" ومن ثم "المعراخ".
رأينا في تلك الفترة حملة احتجاجات شعبية من اليهود الشرقيين، برزت فيها حركة "الفهود السود" التي نظمت المظاهرات الشعبية، ولكن في الوقت نفسه طال طابع حملتها نوع من الفوضى، مثل مهاجمة مؤسسات ومحال تجارية وغيرها، ولكن هذه الحركة تراجعت بعد فترة قصيرة وشهدت انشقاقات وتوزعت على مجموعات ذهبت في عدة اتجاهات.
ومن المفارقات البارزة، أنه في حين كان يتمسك "مباي" بتسميته العمالية "حزب عمال أرض إسرائيل"، فلم يكن عنوانا للشرائح الفقيرة، وبشكل خاص من اليهود الشرقيين، المهاجرين من الدول العربية والإسلامية، ولهذا بعد ظهور "الليكود"، وإثباته في انتخابات العام 1973 أنه بات اقرب إلى تسلم السلطة، وهو الأمر الذي تحقق في انتخابات العام 1977، فقد تحول إلى عنوان واضح وكبير لكل من أراد من اليهود الشرقيين الإطاحة بحزب السلطة، "مباي".
وبطبيعة الحال فإن الليكود كان متنبها إلى هذا التغير الحاصل في الشارع الإسرائيلي، وسارع إلى استيعاب طاقات شبابية في مقتبل العمر، ليرشحها في انتخابات المجالس القروية والبلدية، وبتنا نسمع عن شباب في سنوات العشرين الأولى من أعمارهم يتولون رئاسات مجالس كهذه، نذكر من بينهم مئير شطريت وموشيه كتساب، لينتقلوا لاحقا إلى الكنيست، كوجوه اليهود الشرقيين في الكتلة البرلمانية، رغم أن اليهود الأشكناز كانوا يسيطرون أيضا على قيادة الليكود.
وفي موازاة ذلك، نشأ الجيل الفلسطيني الشاب، جيل ما بعد النكبة، الذي لم يعش هول النكبة ومآسيها، وتثقف في سنوات الخمسين والستين على أدب وشعر المقاومة، ولتأتي متغيرات إقليمية
وحرب 1973 لتزيد أيضا من عزمه، ويتبلور كقوة شعبية كبيرة في الشارع العربي، تبدأ في دحر قوة "المعراخ" المسيطر على الشارع العربي، وكانت الضربة الأولى انتخابات بلدية الناصرة في التاسع من كانون الأول العام 1975، التي خلعت سيطرة "مباي" و"المعراخ" عن إدارة البلدية، ليتولى رئاسة البلدية الشاعر توفيق زياد، على رأس كتلة الأغلبية المطلقة، جبهة الناصرة الديمقراطية، التي جمعت الشيوعيين، ومجموعات وطنية مؤيدة لهم.
وقد كانت انتخابات بلدية الناصرة كاسرا إضافيا ومركزيا لحواجز الخوف، التي سهّل تساقطها المتسارع، نجاح الإضراب العام الأول في تاريخ الجماهير العربية في إسرائيل، يوم الثلاثين من آذار/ مارس 1976، "يوم الأرض"، وكان هذا اليوم إضافة إلى كل معانيه التاريخية محطما لبقايا حواجز الخوف، وقاد إلى توجيه ضربة أخرى لحزب "المعراخ" في انتخابات العام 1977، وليهبط لأول مرة عن أقل من 50% في الشارع العربي، الذي كان يعتبر مخزون أصوات ليس بقليل لحزب "المعراخ" واللوائح الانتخابية المرتبطة به.

 

(2)-1977- 1992

كان لانقلاب العام 1977 وسقوط "المعراخ" عن الحكم لأول مرة بعد 29 عاما من الانفراد في بالحكم دلالات كثيرة، ولكن لم يكن من السهل على حزب الليكود، بقيادة القائد التاريخي له، مناحيم بيغين، السيطرة على كافة المؤسسة الحاكمة، التي غلب عليها أساسا الطابع الحزبي، بفعل شكل إدارة "مباي" للسلطة ومؤسساتها، إذ كانت الأولوية في تسليم الوظائف المركزية لأنصاره وأعضائه، وهذا طال أيضا الجيش والأجهزة الأمنية، إذ لم يكن صدفة أن الغالبية الساحقة جدا من الجنرالات التي اختارت الاتجاه للسياسة بعد الجيش، أن تتجه إلى حزب "مباي" و"المعراخ"، حتى بات يطلق عليه لاحقا "حزب الجنرالات".
وعلى المستوى البرلماني رأينا أن المعراخ يهبط لأول مرة إلى مستوى لم يكن يتخيله، 32 مقعدا، يضاف له مقعد واحد من القائمة العربية المرتبطة به، إذ أن قوائم "المعراخ" العربية تلقت هي أيضا ضربة في الشارع العربي، لصالح الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الناشئة حديثا، وعمودها الفقري الحزب الشيوعي، وقوى وطنية حليفة له في تلك الفترة.
ولكن في هذه الانتخابات شهدنا ظهور كتلة برلمانية وسطية من حيث الحجم، وتضم 15 نائبا، لتختفي كليا في الانتخابات التالية، وهذه كانت أول حالة في الخارطة السياسية الإسرائيلية، بمعنى ظهور مفاجئ" لكتلة نيابية بهذا الحجم لتختفي كليا عن الساحة بعد دورة أو دورتين، ولم تتكرر هذه الحالة إلا في سنوات التسعين والألفين، ولعدة مرات وسنأتي عليها.
الانتخابات الأهم من حيث موضوع هذا البحث: "تشتت الخارطة السياسية"، كانت انتخابات العام 1981، فسلسلة من الفشل في حكم "الليكود" وقسم من هذا يعود لطبيعة أجهزة الحكم، قادت إلى نتيجة نراها لأول مرة في الحلبة البرلمانية، وهي حصول الليكود على 48 مقعدا، مقابل 47 مقعدا لحزب "المعراخ"، وكان ذلك أكبر مشهد تقاطب بين اكبر حزبين في تاريخ الكنيست وحتى اليوم، بمعنى أن حزبين يحصلان معا على 95 مقعدا، أي أكثر من 79% من مقاعد الكنيست، ومن هنا اشتد السباق في أروقة الكنيست بين الحزبين الأكبرين تحو تشكيل الحكومة الجديدة.
في تلك الفترة، بدأت أيضا التحولات السياسية في الأحزاب الدينية، الليبرالية دينيا، والمنخرطة في الحركة الصهيونية، والأحزاب الأصولية المتشددة، هي خارج الحركة الصهيونية، وفي حين بدأت بوادر أولية لدى المتدينين الصهاينة بالميل لصالح اليمين السياسي، فإن الأصوليين "الحريديم" كانوا في تلك الفترة في الوسط، وعلى استعداد للانضمام إلى الائتلاف الذي يدفع أكثر ويحول ميزانيات أكبر لمؤسسات الأصوليين، ومن هنا كانت الطريق للابتزازات السياسية والمالية قصيرة جدا، ولاحقا سنجد أنها اندلعت للرأي العام.
وهذا الأمر ظهر بقوة أكبر في انتخابات العام 1984، التي تلت الحرب على لبنان، وما حملته من ضربات على إسرائيل، بمنظور الرأي العام الإسرائيلي، فعسكريا قتل عدد كبير من الجنود، وسياسيا، بفعل حملة الاحتجاجات العالمية، خاصة تلك التي أعقبت مجزرة صبرا وشاتيلا، وغيرها من المجازر، والأزمة الاقتصادية الحادة التي نشبت في أعقاب تلك الحرب.
وفي تلك الانتخابات، التي كانت الـ 11 للكنيست، هبطت قوة الحزبين سوية بعشرة مقاعد، 44 مقعدا لحزب "المعراخ" بخسارته 3 مقاعد عن الانتخابات السابقة، و41 مقعدا لحزب الليكود بخسارته 7 مقاعد عن الانتخابات السابقة، وقد ساهم في هذه الخسارة الغياب المفاجئ للزعيم التاريخي لحزب الليكود (ومن قبله حيروت) مناحيم بيغين، الذي غادر منصب رئيس الحكومة في خريف العام 1983، بسبب إحباط واكتئاب أصابه من سلسلة تداعيات سياسية وعسكرية، وغاب على الأنظار لسنوات قبل وفاته في سنوات التسعين الأولى.
ولكن تفوّق "المعراخ" في تلك الانتخابات، لم يمنحه الحكم بشكل مطلق، فارتفاع قوة الأحزاب الصغيرة وتزايد تنوعها، مثل الظهور الأول لكتلة "شاس" الدينية الأصولية لليهود الشرقيين، وأمام ضغوط هذه الأحزاب الصغيرة على الحزبين الأكبرين، تشجع الحزبان الأكبران على تشكيل حكومة وحدة قومية، هي الأولى التي تنشأ بظروف طبيعية، إذ أن الحكومة الأولى نشأت في نهاية سنوات الستين على خلفية عدوان حزيران 1967، وجرى تقاسم فترة رئاسة الحكومة بين زعيم حزب "المعراخ" شمعون بيرس، وزعيم حزب الليكود يتسحاق شمير.
نذكر في هذا السياق، أن من ميزات انتخابات العام 1984، هي أنه لأول مرة تظهر تعددية برلمانية وطنية على مستوى الشارع العربي، بدخول "الحركة التقدمية للسلام"، وهي أيضا عربية يهودية، لتنافس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، على أصوات العرب، ولتحصل على مقعدين مقابل أربعة للجبهة، وقد ساهم هذا التنافس في محاصرة أكبر للأحزاب الصهيونية في الشارع العربي.
وقد استمرت حكومة الائتلاف القومي هذه، لكامل ولايتها القانونية، أي حتى خريف العام 1988، لتجري الانتخابات الـ 12 في ظل انتفاضة الحجر الفلسطينية، وأزمة سياسية متصاعدة، وانعكاسات أزمة اقتصادية تم لجمها في منتصف سنوات الثمانين، إلا أنها عادت لتظهر من جديد بفعل الانتفاضة الفلسطينية.
وجاءت انتخابات 1988 لتعزز بقليل قوة الأحزاب الصغيرة، في حين ضعفت قوة الحزبين الأكبرين بقليل، وحصل كلاهما على 79 مقعدا، 40 لليكود و39 مقعدا للمعراخ، وهنا أيضا وجد كل من الحزبين نفسه أمام ضغوط الأحزاب الصغيرة في شروطها للانضمام لكل حكومة، يشكلها أحد الحزبين، وقد اندلع شكل المفاوضات وطبيعة الطلبات الحزبية إلى الشارع، وخلقت مطالب الأحزاب الدينية، على وجه الخصوص، امتعاضا شديدا في الرأي العام من مطالب الأحزاب الدينية على وجه الخصوص.
يشار أيضا، إلى أن الانتفاضة الفلسطينية عكست نفسها على تلك الانتخابات، من خلال تعزيز قوة الأحزاب اليسارية الصهيونية من جهة، ولكن من جهة أخرى، تنامي الكتل الصغيرة المرتكزة على أصوات مستوطني الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.
وأمام وضع كهذا، فقد اختار الحزبان الليكود و"المعراخ" مرة أخرى، التوجه إلى حكومة وحدة، وكان الغطاء لهذه الحكومة هو استمرار وتصاعد انتفاضة الحجر الفلسطينية وبدء محاصرة إسرائيل سياسيا في الحلبة الدولية، ولكن خلافا للمرة السابقة التي تناوب فيها الحزبان على رئاسة الحكومة، فإنه في هذه الانتخابات بقيت الرئاسة بيد رئيس الليكود في حينه، يتسحاق شمير.
والحدث الذي قصم ظهر الجمل لهذه الحكومة هو سعي شمعون بيرس، رئيس حزب "المعراخ"، في ربيع العام 1990، إلى إحداث انقلاب على الحكومة التي هو عضو فيها، من وراء الكواليس، من خلال تشكيل ائتلاف برئاسته، وفاوض بيرس في حينه كتلة "أغودات يسرائيل" الدينية الأصولية الأشكنازية، إلا أن هذا اللقاء تم فضحه، وأطلق على تلك الحادثة اسم "المناورة النتنة"، التي تفاصيلها تبقى أقل بما لا يقاس، عن المناورات والألاعيب الحزبية التي جرت في السنوات اللاحقة وحتى اليوم.
وقادت هذه المناورة إلى طرد حزب "المعراخ" من حكومة شمير، وكانت خطوة يتسحاق شمير استباقية لقرار كان شبه نهائي في حزب "المعراخ" للانسحاب من الحكومة، في ظل الضغوط الخارجية المتصاعدة على إسرائيل، للذهاب في مسار مفاوضات لحل الصراع، الذي رفعته انتفاضة الحجر إلى رأس جدول أعمال الحلبة الدولية، إضافة إلى متغيرات كثيرة في العالم سنأتي عليها.
وفي أيام الصيف الأولى من العام 1992، في 23 حزيران/ يونيو، جرت الانتخابات الـ 13، وهنا حصل انقلاب، بعودة حزب "العمل" إلى الحكم، وأفرزت النتائج ما لم تتخيله الحركة الصهيونية، أو على الأقل لم تتخيله أن يحدث في هذا الوقت المبكر، وهو أن تتحول كتلتان تمثلان الشارع العربي إلى بيضة ألقبان، المقرّرة في طابع الحكومة، ونحن نتحدث عن كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (الحزب الشيوعي) التي حصلت على 3 مقاعد، وكتلة الحزب الديمقراطي العربي برئاسة عبد الوهاب دراوشة، الذي انشق في مطلع العام 1988 عن حزبه "المعراخ"، فهذه المقاعد الخمسة، كانت السد المانع لاستمرار الليكود في الحكم، بعد أن حصل المعراخ على 44 مقعدا و12 مقعدا لحركة ميرتس، الناشئة حديثا بوحدة ثلاثة أحزاب من اليسار الصهيوني، وهنا تشكلت لأول مرة حكومة تستند إلى دعم خارجي من أصوات المواطنين العرب. لتنضم حركة "شاس" إلى الحكومة، وكذا الأمر كدعم خارجي مشروط، لكتلة "يهدوت هتوراة" الأصولية الأشكنازية.
ويذكر انه في تلك الانتخابات تلقى الليكود ضربة قاصمة، بحصوله على 32 مقعدا، وهو عدد المقاعد الأقل منذ ظهوره لأول مرة في الانتخابات البرلمانية في نهاية العام 1973.
من هنا اشتد الحديث في الحلبة الإسرائيلية على ضرورة تغيير نظام الانتخابات، من اجل تفادي حالة الابتزاز السياسي لدى تشكيل أي حكومة.

 

(*) تنشر "الاتحاد" ابتداء من اليوم وفي خمسة أجزاء متتالية، هذه المقالة التحليلية بالتنسيق مع مجلة "قضايا إسرائيلية" الفصلية الصادرة عن مركز "مدار" لأبحاث الشؤون الإسرائيلية في رام الله

قد يهمّكم أيضا..
featured

الإنتخابات البلدية تجديد للشرعية

featured

الفنار منقذ لا زال حيًّا

featured

يوم كئيب يفلت من سنوات الرحيل

featured

إلـى أين سيجرفنا التّيار؟!

featured

أنا كلُّ هؤلاء!

featured

خطر ينهشنا من الداخل

featured

ملاك ... الملاك