يسعى الجميع لتحقيق السّعادة والوصول إلى القمم، ومع ولادة طفل جديد ينشغل الأهل في جني الـمال بقدر أكبر، كي يشتروا له السّعادة، فتقديـم الألعاب الـمتطوّرة والأجهزة الذَكيّة وملء جيب الابن بالـمال باتت الهدف الرّئيسي.
الأمر لا يتوقف هنا، فكلّما مرّت الأيام وتقدَّم الابن بالعمر، كبُرت لعبته معه، ازداد شغفه والقناعة أصبحت معدومة، فلا يرى نصب عينيه سوى رغبات كالسيول المنجرفة، كالدّراجات النارية، تنطلق بسرعات جنونيّة لا تبالي كبيرا أو صغيرا والعالم طريق مسخّر لها.
إضافة لذلك ومنذ لحظة خروج الطفل إلى العالم يرسم الأهل تخطيطا مستقبليا له، يغرسون في عقله مـمنوعات ومسموحات؛ نعم للجرأة والذكاء وأخذ الحقّ عنوة، وإيّاك أن تبكي وتأتينـي مرّة مضروبا دون أن تَردّ الضربة اثنتين، اِجرح ولا تُـجرَح، اِلعَن ولا تُلْعَن، خُذ ولا تَعْطِ وغيرها من مئات الوصايا الحديثة.
يَنمو هؤلاء الأبناء (ولا أعلم إذا صحّ استخدام كلمة "ينمو" ففي طياتـها تحمل معنى التقدم والارتقاء والأحسن) هائمين بلا هويّة شخصيّة، ورؤية الخطوط الـمستقبلية غير واضحة ومرئية.
القضية ليست فقط توفير الحاجات وكل ما وجد في عالم الاختراعات، والمضمون ليس بجديد وكما يبدو يتوجب تسليط الضوء عليه علانية والتعامل معه بأنه ما زال غير مفهوم ضمنا لبعض البشر، وعدم رميه في سلّة مهملات الزّمن واعتباره من "الأنتيكا".
لقد تناسى بعض الأهل أسـمى الخصل البشرية الإنسانيّة التي تفوق كل تطور صناعيّ والذي لا يقدّر بثمن، قيم، أخلاق، أن أكون إنسانا بكلّ معنى للكلمة، فتحولّت تربيتهم إلى تأهيل عسكري بربري، فيُصْدَم الأهل بأنـّهم أوّل الـمتضررين مـمـّا زرعوه في نفوس أبنائهم، والدفّة أفلتت من أيديهم فلا سلطة لهم عليهم، فيدخل هؤلاء الأبناء دائرة شر مغلقة لا اتّزان فيها، ذلك الطفل الذي ضحكت من تـماديه عليك قبل سنين، رأى تشجيعك لهذا السلوك بأنه مرغوب، وما نزرع نـحصد، فيتطاول أولا على منشئه ولن يصدق كلمة منه، ولن يقدر أن يردعه فماذا صنع! فقال الأسلاف: "اللي ما له كبير ما له تدبير". ولن تقتصر على الأهل فقط، فلا يرى أمامه أحدا يستحق أن يبدّل من أفكاره أو يعمل له حسابا. لقد رُعيت خصلة التمرد والعنترية بإتقان، فتفوّقت سـمات السّلب ملكات الإيـجاب، فتتسرّب وتتفشى في الـمجتمع.
ما النتائج المتوقعة؟ عيون باكية، قلوب نائحة على ما اقترفته الأيادي الفارغة، وتهلكة مـجتمع طالـمـا تفاخر برُقِيّ وكرم أخلاقه، بـها تزيّن وتفرّد عن باقي الـمجتمعات.
البيت، البيت، هو منتج البشر وطبعا هناك فئات مشاركة في تربية الأجيال؛ المدرسة والمجتمع كاملا، ولكن أساس التنشئة يبدأ من البيت، إما يكون قويّا لا تقوى عليه السيول ولا الزلازل، ولا يقتحمه أي فيروس قاتل، مـحصّن بـهالة إلـهية بشرية، منزّه عن كل آفة خلقية داخلية، أو أن تصدّر لدُنياك كائنات بشكلها بشرية، لكن داخلها وحوش فقدت عقلها وحجّرت قلبها، فلا هدف لديها سوى فرض السلطة بأي شكل، يكلّل نفسه ملك زمانه فيدوس كلَّ من يعترض طريقه.
المشكلة أن ظاهرة الشر تتفاقم، وبالمقابل نرى شريحة صغيرة ما زالت واقفة ومصرّة على تنمية الأخلاق الجميلة، مـَحبّة الإنسان واحترامه بالرغم من حقل الشّوك الخانق الـمحيط بـها، سلاحها الحوار، تقبل الآخر، التواضع، التسامح فتنصِّب أمام أعين أبنائها شعلة النور الحقيقي،وتنحت لهم درب الأمل لخدمة الإنسان والبشرية.
الإيـمان بالله، حسب رأيي، محرّك لانتصار الـخير، لكن الدّرب عسيرة والمواجهة مضنية، وبالتكاتف في تنشئة جيل سليم من قبل الجميع سيعيد الحياة الآمنة إلى نصابـها، وهو ما نصبو إليه، وتحقيقها ينبع من تقديس مفاتيح السعادة الخالدة في مفردات لغوية في كلّ اللغات؛ مـحبة الإنسان والعيش بسلام واطمئنان.
(عبلين)