يوم كئيب يفلت من سنوات الرحيل

single

*...فأجابتْ جدتي وهي تمسح دموعها: جمال عبد الناصر مات!*

//

كنت اعتقد ان هذا الصباح سيكون عاديا، شنطة المدرسة جاهزة والملابس مكوية والحذاء يلمع، هذا هو الطقس المدرسي اليومي، ووالدتي تعتبر هذا التجهيز والاستعداد ليس طقسا اموميا فقط، بل جزءا من الانتصار، فحين تكون المنافسة بين ابناء الاغنياء وابناء الفقراء حادة لا بد ان تكون التجهيزات كاملة، خاصة نحن في مدرسة تطل منها ساحات الاستعراض وتحاول تكبير صور الفقر وتسليط الأضواء على الملابس والأحذية التي تتمسك ببقايا الألوان او تتشابك الخيوط مع بعضها البعض خوفا من التفسخ والاهتراء الكامل.
نهضت من النوم واذ بأمي قد ربطت جبينها بمنديل اسود وكنا نعرف ان امي حين يؤلمها رأسها تربط جبينها، وكان لها طريقة في الشد، تبقى تشد المنديل حتى تصبح عيناها اشبه بالنساء الصينيات او اليابانيات.امي لم تحضر طعام الفطور وهذا يخالف برنامجها اليومي الذي يبدأ بالتحضير للفطور، والدي يجلس قرب الراديو ويدخن بشراهة وهذا يخالف يومه، فهو يسافر يوميا الى مدينة حيفا حيث يعمل، وجدتي الحازمة الصلبة كالصخرة تبكي بصمت. "ستي شو في؟" سألت جدتي، فوالدتي تنظر الي انا واخوتي كأنها لا ترانا! اجابت جدتي وهي تمسح دموعها – جمال عبد الناصر مات! كنت أعرف ان اسم جمال عبد الناصر يشكل قيمة كبيرة في بيتنا وصورته معلقة في غرفة الضيوف، وايضا له صورة مع اولاده الثلاثة، وعندما كنت أتأمل الصورة اكتشفت ان هناك بعض الشبه بين وجه جمال عبد الناصر ووجه خالي اللاجئ في احد المخيمات في لبنان، ولا ادري لماذا كنت اربط بينهما، يمكن لان جدتي كانت تتكلم عن جمال عبد الناصر بلغة المنقذ والقوي والقادر على تحقيق المعجزات، وحتى يرجع خالي الغائب الى حضن امه لا بد من معجزة، وقد تأتي المعجزة على يد جمال عبد الناصر.
ارتديت ملابسي على عجل، لم تنظر امي الي كالعادة ولم تهتم بتمشيط شعري او النظر الى اظفاري وجواربي البيضاء، خرجت من البيت متوجهة الى المدرسة في منطقة العين في مدينة الناصرة، في الطريق واثناء المشي للوصول الى المدرسة، رأيت عشرات الرجال يقفون أمام المحلات والدكاكين وعلى الارصفة، هدوء يتخلله بعض الزفرات او شتيمة تخرج من فم احد الرجال تريد تلخيص فكرة العجز امام الموت، ودخان السجائر حلقات تتغلغل بالوجوه العابسة، التي تنطق بتقاسيم الاستغراب والشك وعدم التصديق. وصلت ساحة العين واذ بجميع طلاب المدارس يقفون هناك، يغطون عين العذراء والشارع الرئيسي والاشجار والبيوت والدكاكين، وفجأة يبرز احد الطلاب الكبار ويقول : كل واحد يروّح على البيت ويشلح اواعي المدرسة ويلبس اسود بدنا نعمل كمان ساعتين جنازة رمزية... ولا واحد يروح على المدرسة ولا واحد يرد على حدا.. ما بدنا نتعلم..عبد الناصر مات وأخذ يبكي، من بعيد رأيت مديرة المدرسة وبعض المعلمين والمعلمات، لأول مرة لا أرى العصا بيد المديرة، ثم رأيتها تدخل المدرسة وتغلق البوابة الحديدية.
رجعت الى البيت كي ارتدي الملابس السوداء وجدت الجارات يبكين واحدى النساء تقف في الوسط وترقص رقصة الموت وتغني بصوت حزين وتعدد صفات عبد الناصر. فتشت في الخزائن عن قميص اسود، لم اجد الا قميص اخي الذي يصغرني بعدة سنوات، اغلقت ازراره بالقوة، رجعت الى ساحة العين واذ ببحر من البشر يموج بالسواد ونعش رمزي يحمله بعض الشباب ولم تعد المسيرة طلابية فقط، بل اختلطت السنوات والاعمار، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، كيف جاءوا ؟ ومن أين قدموا ؟ لا أعرف، قامتي الصغيرة تزاحم الكبار وتحاول الوصول الى قرب النعش، سرنا ببطء، والنعش يتوسط الجنازة والجنازة تقطع الشوارع والطرقات، وخلال القطع ينضم العشرات.
تمر هذه الايام الذكرى الحادية والأربعون على هذا اليوم الكئيب الحزين، ومازال الحدث يخرج من البوم الذاكرة مجللا بالمشاعر الحزينة، وكلما كبرت سنة اتساءل بيني وبين نفسي كيف استطاع هذا الموت ان يدفع الطلاب والشباب والشيوخ والنساء الى رفضه والخروج في حالة هستيرية باكية متحدية البعد الجغرافي حاملة وجه القائد ؟ كنا نشعر ان هذا الموت فيه موت للكثير من القضايا والهمم. ما زالت صورة جمال عبد الناصر معلقة مكانها، كلما مسحت امي عنها الغبار، تردد الله يرحمك يا ابو خالد، واذا ارادت ان تعبر عن قرفها من وضع العرب، تتنهد وتشير للصورة (بس لو كان جمال عبد الناصر موجود)، توفي خالي الذي كان يشبهه ودفن في الغربة وتوفيت جدتي التي كانت تحلم بعودة ابنها، سنوات مرت كأنها البارحة، هرمنا وفلت الزمن من بين أصابعنا وما زال هذا اليوم في الذاكرة.اتخيل لو يموت اليوم احد الرؤساء العرب هل ستغلق المدارس وتقام الجنازات الرمزية ويفيض النهر البشري؟ لا اظن...

قد يهمّكم أيضا..
featured

39 ليوم الأرض الخالد

featured

هل يتمرد القرد على خالقه؟

featured

الاعتراف والوحدة الطريق للاستقلال

featured

أيها الطلاب العرب تعلموا اللغة الصينية واطلبوا العلم ولو في الصين

featured

كيري على خطى بلفور

featured

في وداع الأخ صبحي أبو يونس

featured

إدانة لسياسة التمييز الطبقي والقومي السلطوية!