منصة مهرجان يوم الأرض 1988 في سخنين وفيها رئيس مجلس محلي دير حنا رجا خطيب، يلقي كلمته (تصوير: نقولا عبده)
كلما ابتعد الحدث ومرت عليه الأعوام، تدفقت الذاكرة وأخرجت من دهاليزها تلك الصور والمشاهد التي لم ولن تُمحى أبدًا.
فشهر آذار الغني بجمال الطبيعة الأخاذ، بأزهاره ورياحينه التي تندى بالروائح العطرة الشذية، حافل بالمناسبات المختلفة. ففيه يوم المرأة، ويوم الأم، ويوم الأرض، وفيه يتساوى الليل مع النهار، حيث قال أجدادنا "يروح فيه الراعي محمّل على الحمار لا من شرده ولا من برده". وفي هذا السياق لم يروح الراعي محملا على الحمار. فقد خالف التقاليد، وروح فارسًا يمتطي صهوة جواده، شاهرًا سيفه ضد المتخاذلين، الذين أرادوا تشويه إرادة الشعب والجماهير، وهو يشير ببنانه، متحديًّا، السلطات وأولئك الرؤساء الخنوعين، وكان زئيره كرعد آذار القاصف. كان ذلك في الخامس والعشرين من شهر آذار سنة 1976 المكان بلدية شفاعمرو والزمان الساعة الرابعة بعد الظهر.
في مشهدين مثيرين لمسرحية أو تمثيلية أعدتها السلطات في ذلك اليوم مسرحية مبكية من ناحية ومضحكة من الناحية الأخرى.
المشهد الأول المشهد السلطوي، عشرات من رجال الشرطة وحرس الحدود يتوافدون ويطوّقون بناية البلدية، يحيطون بها لحماية الرؤساء المتخاذلين الذين تقاطروا إذعانًا لأوامر السلطات بهدف إجهاض قرار إعلان الإضراب. وقد غص نفس المكان بالعشرات من رفاق الحزب والشبيبة الشيوعية يتجمعون، ومن حناجرهم الشابة تنطلق الهتافات والصيحات نعم للإضراب، يعبر الرؤساء والهتافات تصم آذانهم – وجوه كالحة النظرة قليلة.
يمر الرفيق توفيق زياد، رئيس بلدية الناصرة برفقة الرفيقين صليبا خميس مركِّز لجنة الدفاع عن الأرض والرفيق رمزي خوري سكرتير اللجنة. في هذه اللحظات انتهزت الفرصة واندسست بين أعضاء وفد الحزب في طريقه للقاعة. الضابط كاتسمان ضابط شرطة مركز شفاعمرو ومجموعة من رجاله يستقبلون الرؤساء الذين يعرضون بطاقة رئيس بلدية أو رئيس مجلس محلي، إذ محظور الدخول على غير الرؤساء إلا وفد الحزب المعروف لهم سلفًا المؤلف من ثلاثة أشخاص، احد رجال الشرطة اعترض على دخولي فرماه الرفيق توفيق بنظرة جعلت الضابط كاتسمان يفهم منها وكأنني الحارس الشخصي للرفيق توفيق، فطلب منه الكف عن اعتراضي، لان أكون "شاهد شاهَد حاجة".
المشهد الثاني من المسرحية، في تمام الساعة الرابعة والنصف كان قد حضر من الرؤساء (42) رئيسًا - اثنان وأربعون - بمن فيهم رؤساء لمجالس محلية من الطائفة العربية الدرزية ليكوّنوا أكثرية لضمان اتخاذ قرار بعدم الإضراب.
افتتح الاجتماع رئيس بلدية شفاعمرو السيد ابراهيم نمر حسين، وتكلم عن غاية وهدف الاجتماع وهو البت بقضية الإضراب. نشب حوار حامي الوطيس حول ان يكون التصويت سريا أو علنيا. السلطات تريد ان يكون علنيا في ظل سيف الإرهاب المصْلّت والذي تلوّح به الشرطة. كانت الأكثرية ان يكون التصويت علنيا.
أخذ الرفيق توفيق زياد حق الكلام ليعبّر عن رأيه محاولا إقناع الرؤساء بالتصويت. نعم للإضراب، فهاج من الرؤساء من هاج وحمي الوطيس مرة أخرى. وفي أثناء هذه الفوضى وذلك الهياج اعتلى المنصة رئيس بلدية طمرة يهدد الرفيق توفيق زياد وهو يرغي ويزبد. فتناوله الرفيق أمين عساقلة نائب رئيس مجلس المغار المحلي وهو طويل القامة ممتلئ الجسم مفتول العضلات، مما أدى إلى وقوعه على الأرض، وصرخ في وجه المتطاولين مهددًا بالويل والثبور لمن يتطاول، فعاد الهدوء والسكينة يخيمان على جو الاجتماع.
فوقف رئيس بلدية شفاعمرو وعرض على الحضور الاقتراح: مَن مع الإضراب، فارتفعت سبع أياد بمن فيهم يد أمين عساقلة – ومن اجل إكمال "الديمقراطية" اقترح: مَن ضد الإضراب فارتفعت 35 يدًا. علت الابتسامة على وجوه المتخاذلين وارتسمت على شفاه رجال السلطة وغمرت وجه الضابط كاتسمان، ولم يطل عمر هذه الابتسامة، وفي الحال اعتلى المنصة الرفيق توفيق زياد وصرخ في وجوه المتخاذلين وضابط الشرطة وزمرته جملته الشهيرة "الشعب قرر الإضراب" وهكذا كان فيما بعد.
خرج الرؤساء من القاعة وقد وجدوا أمامهم معركة حامية الوطيس، انتفاضة الحجارة الأولى دارت رحاها ما بين رفاق الحزب والشبيبة الشيوعية الذين جاءوا لنصرة قرار الإضراب من جهة وبين رجال الشرطة من الاخرى التي أخذت تعزز قواتها لتغير على الرفاق والبيوت في شفاعمرو. أعقبتها ملاحقات واعتقالات ومطاردات. فكانت هذه المعركة الجذوة التي أشعلت نار المقاومة عشية يوم الـ 30 من آذار من ذلك العام.
نعود عشية كل ذكرى لنذكر - ان نفعت الذكرى- لمن يتناسى ولمن يحاول تزييف حقيقة حيثيات يوم الأرض وطمس حق الذين صنعوا هذه المآثر وخلّدوها.
فالمجد والخلود لشهداء يوم الأرض
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
