لم تبدأ ملاحقة الفنان محمد بكري هذا العام أو بّعيدَ انتاجه عمله الوثائقي"جنين جنين" في العام 2002 بل بدأت قوية عاصفة شديدة منذ العام 1948 أي قبل ميلاد محمد البكري بخمس سنوات لأنّ "مارس ذو العين الواحدة" اله الحرب الإسرائيليّ الصهيونيّ قرّر بفوّهة بندقيته وبكعبها وببسطاره وبقبضة يده أن يمحو آثار جريمته البشعة وأن يضلّل العالم ويوهم مريديه بأن هذه القطعة من جنة عدن لم تطأها قدم بشرية منذ أقدام آدم وحوّاء وبقيت عذراء تنتظر بعلها الموعود حتى قدومه من بلاد الثلج والضباب.
لم يحتمل مارس منذ البداية قصيدتنا وقصّتنا وأغنيتنا ففي العقود الأوائل لسلطته حاصرها وحاول تقطيعها إربًا إربًا ولاحق المبدعين واعتقلهم وجوّعهم وقيّد حركاتهم وها هو اليوم مارس العجوز ما زال هو هو ، لا راح عنه شرّ ولا جاءته عافية سوى اشتداد زرقة أسنانه الدرداء، مارس الذي صادر ديوان الشعر واعتقل الشاعر والذي صادر المجموعة القصصية وسجن حفيظة والولد الذي أحبّته وأحبّها يحاول بما بقي له من أسنان مسوّسة أن يصادر الفيلم الوثائقي ويعاقب منتجه ويثقل عليه بكلكله وجلموده الماديّ ويسبي الفتاة الجميلة نجوى ويقتل العم العجوز أبا محمد .
محمد بكري صانع المرآيا ومنتجها، المرايا المسطحة والمحدّبة والمقعّرة لتعكس الحقيقة ولتقول لمارس الأعور بأنه أعور بعينه. مرآة البكري قوية فيها صورة لا تكذب، صورة صادقة للاحتلال الهمجيّ والحرب القذرة ولمجزرة مارس التي ارتكبها في مخيّم صغير فيه أناس فقراء خسروا مدنهم وقراهم وبيوتهم وكرومهم وقمحهم وخبزهم وزيتهم وزعترهم قبل ستة عقود في معركة غير متكافئة، وذنبهم الوحيد أنّ ذاكرتهم ما زالت قوية لم تنس ما حدث وما جرى وما زال حلمهم بالعودة مبللاً بالندى ومعطرًا بشذى الأقحوان والنرجس والميرمية. مارس المنفوخ بالقوة قرر أن يمحو المخيم ليمحو الذاكرة والرواية فهاجمه مثل ثور مجنون فكيف تجرّأ محمد البكري على صنع المرآة وعلى أن يعكس صورة مارس أمام العالم؟
يتباهى مارس بأنّ بيته واحة للديمقراطية في صحراء الرق والديكتاتورية ويردد أقواله منتجوه ومريدوه وكتبة خطاباته ومدلّكو عورته متسترين على الحقيقة متعامين عن أنّ هذه الدولة حبلى بالأبرتهايد وما ظهور الوزيرين ليبرمان ولنداو وظهور حاخام صفد إلا بعض مظاهر وحام الحامل التي بان حملها كما تبدو حردبة الجمل.
هؤلاء، حفنة الجنود، الذين شكوا بكري هم حجارة شطرنج في أصابع مارس يحركها لاعب من ديناصورات ما قبل مانديلا أو هم على الأقل لاعبو كرة قدم مأزومون يلعبون في الوقت الضائع ومن النادر أو من اللا متوقع أن يسجل لاعب كرة قدم مأزوم هدفًا في الوقت الضائع حتى لو حدث انشقاق في فريق الخصم أو انشغل حارس المرمى بحك جلدة رأسه.
يلاحقون "جنين جنين" لأنه يحكي روايتنا التي تتعاكس وتتناقض مع روايتهم بل تفضح رواياتهم. نحن ما هربنا من المواجهة وما حنينا رؤوسنا وما صغّرنا أكتافنا ولا نعمت راحاتنا بل بقيت خشنة مثل البلان في الخريف وتلاطم المخرز، مخرز مارس ومخرز الانكل سام عدو البشرية حتى لو غيّر لون بشرة وجهه من بياض ناصع إلى سمرة البن المحمص.
جنين يحكي الصمود والبقاء ولا يفضح حكومة إسرائيل وحدها بل يفضح دول النفط العربية ودول القواعد الأمريكية وإمارات الكروش الضخمة. وأهل جنين يعرفون أنّ الطائرات التي كانت تقصفهم لها رائحة نفط عربي.
فيما مضى وفي سنوات خلت اعتقلونا وحاكمونا وضربونا وحاولوا اخراسنا وتكسير أقلامنا فتصدّى لهم "سجناء الحرية" و "عاشق من فلسطين" و "طائر الرعد" و "المتشائل" و"عائد الميعاري" وكل من دق على الجدار وعبّدوا الدرب لجنين جنين ليقولوا أنّ هذا الشبل ابن هذا الشعب وأبدًا على هذا الطريق يا صخرة البعنة الحمراء التي لا تنكسر ولا تفتتها عوادي الزمان والمناخ. هذه الصخرة اسمها محمد البكري من ذلك المقلع أو المحجر الذي غنّت له أمهاتنا ونساؤنا في الجليل والمثلث ومازالت النساء تغني له على سفوح جرزيم وفي حقول جنين ورفح. يا صخرة لا يهزك ريح ولا يؤثر فيك سيل وأنت يا أخي لست وحدك فنحن معك وأدعية وصلوات عزيزة وسعيدة وزهرة معك، وأبناؤنا وأحفادنا معك وشعبك معك وسوف نبقى نغني مع شاعرنا الشعبيّ: جليلنا ما لك مثيل، ترابك أغلى من الذهب، ما نرضى بالعيش الذليل، لو صرنا لجهنم حطب.
ومحمد بكري يفهم هذا جيدا فلماذا تغابى مزوز ولم يفهمه وهو رجل القانون الألمعي؟
أنا فاهم وأنتم فاهمون وأما مزوز فكما يقول ابن حارتنا: جعلو ما فهم. جعلو ما فهم!!
