كيف لشعوب عربيّة أن تهزم الفكر الظلاميّ المتطرّف، وهي مأسورة ومكبّلة في زنازين وسجون حكّامها الرجعيّين المعادين لها، والمتشدّدين والمغالين والمتعصّبين و... الذين يعيشون حياة البذخ والترف والمجون ... ويخدمون مصالح حامي عروشهم-السيّد الأمريكيّ الصهيونيّ، الذي حوّل الساحات والبيوت العربيّة إلى مرتع ومنبع للعنف والدمار والجهل والعدميّة والإرهاب؟!
ما زالت هناك مجتمعات عربيّة تعيش المرحلة القبليّة! كانت أُحبطت محاولاتها في أن تتحوّل إلى مجتمع زراعيّ صناعيّ بسيط! وإن حاولت الارتقاء تدريجيّا أو بقفزات قمعت!
لم تعطَ الفرصة إلاّ لقلّة من الشعوب العربيّة لتتبدّل نوعيّا وجذريّا، ولتتحوّل بقفزة تطوّر اقتصاديّ من مجتمعات تعتمد الزراعة البدائيّة إلى مجتمعات تعتمد على صناعة الصلب والحديد والألمونيوم العصريّة. وأحيانا حدث هذا التحوّل مشوبا بالعنف، كنّا فرحنا لحدوثه، ولطّفنا من تأثيراته، وسميناه: العنف الثوريّ! الذي خلّف المرارة، ولم يأتِ بالتبدّلات النوعيّة والجذريّة المرجوّة في المجتمع؛ رغم علاّت وتشوّهات التحوّلات، لم يتحمّل الحلف الأطلسيّ وجود مثل هذه التحوّلات في مجتمعات عربيّة تهدّد "أمن" إسرائيل، فرصدها مستهدفا تفكيكها ومحوها من خارطة الدول؛ فنجح بإدخالها في عنق الزجاجة، وبخنقها بالصراعات الدينيّة والإثنيّة.
ثمّة شعوب عربيّة نجحت في رفع مستواها العلميّ والثقافيّ في مراحل وطنيّة معيّنة، خصوصًا بعد فشل العدوان الثلاثيّ على جمهوريّة مصر الناصريّة، واستطاعت أن تنتصر لحقّها بالحياة الكريمة الحرّة، وأن تتكيّف مع تطوّرات العصر؛ فذوتت التغييرات الحاصلة في العالم واستوعبتها، وحقّقت أهدافا طرحتها تراكمات البؤس الكميّة، وجرت تحوّلاتها العلميّة الكيفيّة عن وعي، فأحدثت المعجزة في تطوّر القاعدة الاقتصاديّة والقوى المنتجة والعلم، لكنّها للأسف أبقت على السلطة السياسيّة الدينيّة المسايرة للملكيّة الفرديّة والمناوئة للديمقراطيّة و...؛ فثبتت على الاقتصاد الصناعي "القوميّ"؛ ففشلت أو أفشلت في إحداث التغييرات الكميّة للكيفيّة المعنيّة، فكانت التبدّلات في قوى الإنتاج والعلاقات الإنتاجية وأشكال الحكم جزئيّة، فالتهمتها الاحتكارات، وسيطرت عليها النزعات الرجعيّة، من استغلال العمال وزيادة أرباح الشركات الاحتكاريّة و... فغرقت في الفساد والرشى و... وحرمت من ولوج أبواب التكنولوجية العالية (الهايتك) العالميّة؛ فكيف لها أن تنشئ مراكز البحوث والتنميّة الحديثة، وأن تجذب الاستثمارات، وأن تستوعب النانو تكنولوجيا اليوم؟!
عرفت القيادة الصهيونيّة بواطن ضعف الشعوب العربيّة ومصادر جهلها، (ما زالت ترنّ في أذني خطبة موشي ديّان، وزير الدفاع الإسرائيليّ ، في جنوده قبل عدوان/حرب/هزيمة حزيران 1967، حين خاطبهم: لا تخافوا من العرب، إنّهم لا يقرأون!)؛ كما عرفت عناصر القوّة في الشعب الإسرائيليّ وأهميّة العلم واستيعاب التغييرات والتحوّلات، فساعدت على تحوّل شعبها من مجتمع فلاّحيّ دينيّ يعتمد على التوراة، إلى مجتمع زراعيّ اشتراكيّ متطوّر ولا دينيّ في الكيبوتسات، يستوعب العلم والتكنولوجيا وينتجهما، ويقيم الشركات الناشئة (Startup)، التي تعمل على اختراع وتطوير وإنتاج حاجيّات حديثة ربحيّة، وتدعمها بالأفكار العلميّة البحثيّة والدعاية التي تغري الشركات العالميّة والعامّة الكبرى؛ فتقوم بشراء شركات إسرائيليّة ناشئة؛ هكذا اشترت شركة محرّك البحث "جوجل" العالميّة شركة الخرائط والملاحة "ويز" الإسرائيليّة الناشئة بأكثر من ثلاثة مليارات دولار.
يقول المتفائلون بأنّ السعادة تأتي من رحم المأساة، لعلّنا نرى في الانقسامات الحاصلة في الشارع العربيّ عاملا يؤدّي إلى الوحدة الوطنيّة الواعية.
كيف لنا أن نرى في الانقسامات ما لم يره أحد من قبل؟!
علّنا نراها عطلا صغيرا في عمليّة/دولاب بناء التحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة ودافعا لوحدة المظلومين!
ربّما نستطيع أن نحوّل مشاكلنا إلى فرصة للنجاح!
فباسم الإنقسام تقدّموا!
